فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 2255

بعد الفتح الإسلامي لبلاد الشام حصل نزوح جماعي من سكانه، حيث التحقوا بالدولة البيزنطية المهزومة، وهذا ما دفع القادة المسلمين إلى استقدام قبائل عربية جديدة إلى لبنان لحماية سواحله وداخله من الغزوات البيزنطية، ثم الصليبية من البر والبحر. وهذا ما يفسر تواجد أهل السنة إلى الآن على خط المدن الساحلية اللبنانية الرئيسة مثل بيروت وطرابلس وصيدا، والذي منحهم فرصًا كبيرة لأخذ الدور الأول في العلاقات التجارية والاقتصادية الدولية، فكانت بيروت مركزًا إشعاعيًا وسميت نتيجته بعروس الشرق. وكانت كل من طرابلس وصيدا مركزين للأعمال الرسمية والسياسية والاقتصادية والتربوية.

وإذا كان لهذا الانتشار الساحلي آثاره الإيجابية في حالات السلم فإنه في حالة الحرب كان سببًا رئيسًا في منع وجود تكتل سني قوي يقف في وجه التكتلات الطائفية الأخرى التي كانت تتجمع في مناطق معينة.

تفاعل أهل السنة مع القضايا العربية

تمتع أهل السنة بالحظوة في لبنان حيث كانت السلطة الحاكمة سنية المذهب من الأمويين ثم العباسيين فالأيوبيين والمماليك، وحتى الخلافة العثمانية التي رحلت عن لبنان بانتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918م.

لم يكن أهل السنة في لبنان يؤيدون انفصال المناطق العربية عن السلطنة العثمانية في أوائل القرن العشرين، بل طالبوا بإجراء إصلاحات داخلية تؤمن مشاركة أكثر للعرب في حكم هذه السلطنة، ولما فشلوا في ذلك أيدوا في غالبيتهم ثورة"الشريف حسين"المدعومة من بريطانيا ضد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى عام 1916م.. ورفضوا كذلك الانضمام إلى دولة لبنان الكبير التي أنشأها الفرنسيون عام 1920م.. وقد بقي أهل السنة على رفضهم هذا حتى تاريخ استقلال لبنان عام 1943م؛ حيث قبلوا بذلك على مضض، إلا أنهم استمروا باعتبار أنفسهم امتدادًا وجزءًا لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية، وهذا ما يفسر تفاعلهم مع قضايا هذه الأمة، فكانوا كلما أُوقدت نار للعروبة أو للإسلام في ديار العرب والمسلمين هبوا لنصرتها وتبني مبادئها. وكم سمع المسلمون في لبنان هذه الكلمة"أولئك الذين جاؤونا من جزيرة العرب فليرحلوا إليها"، قالها"إميل إده"الرئيس اللبناني، الماروني المتعصب، وقالها من بعده الكثير من النصارى، والمعنيون طبعًا بها هم المسلمون.

وقوبلت محاولات إقرار عروبة لبنان كهوية أساسية ضمن دستور 1943م، برفض كبير من مسيحيي لبنان ولم يتم الاعتراف بهذا الانتماء دستوريًا إلا بعد اتفاق الطائف عام 1989م. والذي نص لأول مرة على أن لبنان عربي الهوية.

لكن هذه الهوية العربية للبنان لم تحسم حتى اليوم لدى المورانة، فها هم المطارنة الموارنة يؤيدون بشكل خفي نظرية حياد لبنان، كما جاء في نص بيانهم الصادر في 9/5/2007م. والذي أكد أهمية"الحفاظ على التضامن الكامل مع قضايا العالم العربي المحقة والعادلة".

ويقابل هذا الرفض بالانتماء للعروبة مناداة الموارنة بضرورة تحييد لبنان على طريقة سويسرا سابقًا، كما أن جزءًا كبيرًا من المورانة بقيادة أحد رؤساء الجمهورية اللبنانية قبل الاستقلال"إميل إده"، والد النائب المتوفى"ريمون إده"، كان من المطالبين بإبقاء استعمار فرنسا للبنان ورفض انسحاب جيوشها منه حماية للمسيحيين من العرب.

علاقة أهل السنة بالموارنة

اتبع المورانة من أجل إحكام سيطرتهم على المسلمين بشكل عام وأهل السنة بشكل خاص، ومن أجل الحفاظ على الامتيازات التي حصلوا عليها منذ عصر الانتداب إلى اليوم على أساليب وطرق عديدة، أبرزها ما يلي:

1.سيطرة رئيس الجمهورية على مجلس الوزراء، فهو الذي يعين رئيسه ويعين الوزراء وهو الذي يقيلهم. ولقد عانى كثيرٌ من رؤساء الوزراء السنة من هذا الأمر. ونذكر من هؤلاء رئيس الوزراء"سامي الصلح"الذي أطلق كلمة (باش كاتب) على رئيس الحكومة، وكان مما قاله في مجلس النواب بتاريخ 9/9/1952م"إنهم يريدون أن يكون رئيس الوزراء آلة طيعة في أيديهم لتنفيذ مآربهم وتحقيق مطامعهم وخدمة مصالحهم الخاصة، وبما أننا حاولنا أن نحكم ونعيد الحكم إلى السراي، قامت قيامتهم علينا ودبروا المؤامرات في الغرف السوداء للحيلولة دون تحقيق الإصلاح المنشود".

ومنهم أيضًا الرئيس"رشيد كرامي"الذي قال في بيان الاعتذار بتاريخ 22/10/1969م"لكن ليس من المعقول في شيء أن يحمل المرء مسؤولية ما لا رأي له فيه، ومن باب أولى بأن لا يحمل مسؤولية ما يختلف مع رأيه وتفكيره ومعتقده".

ولقد كان للغبن الذي وقع على هذه الطوائف المسلمة منذ عهد الاستقلال أثره في نشوب الحرب الأهلية عام 1975م، كما كان له أثره أيضًا في إصرار الطائفة السنية على التقليل من صلاحيات رئيس الجمهورية في اتفاقية الطائف.

ولم تقتصر سيطرة النصارى على تعيين رؤساء الوزراء والوزراء فقط، بل طال هذا الأمر كل المراكز الحساسة في الدولة، حتى إنهم كانوا يتدخلون في تعيين المفتي الأكبر؛ مع أنهم لا يفعلون الأمر نفسه مع الطوائف النصرانية الأخرى، والتي كانت تعيينات رؤسائها تصدر مباشرة من البابا أو البطاركة أوالزعماء الروحيين والمجالس الدينية المستقلة.

2.محاولة إخفاء الحقيقة حول التعداد السكاني للمسلمين، ومنع الحق في التجنيس عن قسم كبير منهم، فلقد كان حق منح الجنسية حكرًا بيد رئيس الجمهورية الماروني، وكان لا يمنحها إلا للنصارى من أي بلد كانوا، بينما يمنع هذا الحق عن المسلمين، (السنة والشيعة، والأكراد والبدو والسوريين) ... حيث حرموا منها؛ رغم أن بعضهم استوطن هذا البلد منذ أكثر من 500 سنة، كما هو الحال مع سكان (وادي خالد) في أقصى الشمال الشرقي من لبنان. وقد حُرم منها أيضًا سكان أهل القرى السبع الشيعية في جنوب لبنان الذين طردتهم"إسرائيل"من قراهم الواقعة ضمن الأراضي اللبنانية منذ العام 1948م..

ومن القصص المأساوية التي تروى حول مدى الظلم الذي طال بعض الأكراد السنة في قضية الجنسية، قبول بعضهم بالتنصر في مقابل الحصول على الجنسية. ففيما عمد أحدهم فور حصوله على الجنسية إلى العودة إلى الإسلام، مما أثار حفيظة رئيس الجمهورية وحاول نزعها منه، مات كردي آخر قبل أن يتمكن من العودة إلى الإسلام مما جعل الناس يتحيرون أين يدفنونه، في مدافن المسلمين أم في مدافن النصارى؟

علاقة أهل السنة بزعمائهم

يتوزع انتماء المسلمين السنة السياسي في لبنان على أكثر من ولاء وانتماء، فهناك أولًا الانتماء إلى الزعماء السياسيين الذين لم يتمكنوا، رغم أن رئاسة الوزراء كانت بيدهم، من الاستفادة من السلطة التنفيذية في سبيل تحسين وضع طائفتهم وإعطائها بعض الحقوق والامتيازات التي كان يتمتع بها غيرهم، وكل ذلك حفاظًا على الكرسي وتملقًا للنصارى؛ خوفًا من أن يتهموهم بالتعصب لطائفتهم، مما عرض مصالح المسلمين للانتهاك من النصارى بشكل عام والموارنة بشكل خاص وعلى مرأى ومسمع من المسؤولين المسلمين.

إضافة إلى ذلك لم تكن هذه الزعامات يومًا ما موحدة الأهداف، بل كانت متعددة بتعدد المناطق، ولم تتفق عبر تاريخها إلا على الاختلاف والسعي لكسب المصالح الخاصة والذاتية تبعًا للمنطقة التي تتبع الزعيم، وكان كل زعيم سني يسعى لإثبات زعامته على حساب الزعيم الآخر.

وكذلك فإن تبعية القيادات الدينية للقيادات السياسية فاقم من أوضاع أهل السنة المتردية، خاصة زعامات دار الإفتاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت