فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 2255

ولقد كان لهذه اللقاءات أثرها في انسحاب الرئيس"سليمان فرنجية"سنة 1978م من الجبهة اللبناينة، لرفضه التعاون مع الدولة الصهيونية. ولم يكن الرئيس فرنجية الماروني الوحيد الذي رفض هذا التعامل، فالعميد"ريمون إده"رفضه أيضًا بل وكان يرفض إجراء محادثات مع الكتائب، لأن هذا يوازي بنظره عقد صلح مع"إسرائيل"، وقال "إنني لا أميز بين حزب الكتائب و"إسرائيل"، وأعتبر أن ميليشيا الكتائب ذراع الجيش "الإسرائيلي"في لبنان".

هذه العلاقة لم ينكرها الكيان الصهيوني، بل إن أخبار الاتصالات والمشاورات كانت تنشر على صفحات الصحف"الإسرائيلية"ومنها صحيفة"هآرتس"التي أشارت إلى أن هناك تعهدًا خطيًا من"مناحيم بيجن"رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى"بشير الجميل"منذ صيف 1978م. يتضمن دعم"إسرائيل"للمسيحيين في لبنان.

كما برز هذا الدعم اليهودي للموارنة في أثناء مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982م والتي نفذتها القوات اللبنانية بقيادة"إيلي حبيقة"بتخطيط ودعم وإشراف مباشر من شارون الذي شوهد في المخيمات الفلسطينية أثناء المعارك.

الموارنة وعروبة لبنان

حاول الموارنة منذ الاستقلال عزل لبنان عن محيطه العربي والإسلامي، والادعاء بأن للبنان جذورًا تاريخية أخرى تصل تارة إلى الفينيقيين والكنعانيين والآراميين، الذين ذكرهم الكتاب المقدس عندهم، ووصفهم بأنهم جبابرة وعمالقة، وتصل تارة أخرى إلى سلالات البحر المتوسط.

أما الانتماء الحضاري فإنه بنظرهم لا يرتبط بالحضارة العربية، بل بالحضارة المسيحية أينما كانت ولو على بعد آلاف الكيلومترات.. ليس ذلك فحسب، بل إنهم يعتبرون العرب والمسلمين جيرانًا أعداء ينبغي التعامل معهم بحذر، وإن استطاعوا فعدم التعامل معهم يكون أفضل.

وقد ظهرت هذه الأفكار الرافضة للعرب والمسلمين في مواقف عدة منها التصريح الذي أدلى به"إميل إده"رئيس الجمهورية اللبنانية في باريس صيف 1937م. قال فيه"إننا والسوريين أمتان مختلفتان كل الاختلاف"، وقال أيضًا"إننا الجزيرة المسيحية الوحيدة في هذا البحر الإسلامي".

ولم يكتف النصارى بذلك، بل أعلنوا الحرب على اللغة العربية الفصحى التي تمثل الانتماء إلى العروبة، ودعوا إلى استبدالها باللغة اللبنانية العامية المكتوبة بالحرف اللاتيني؛ مدعين أن للبنان لغة خاصة لا علاقة لها باللغة العربية، وكان من أبرز الدعاة إلى هذه اللغة الخاصة الشاعر"سعيد عقل"الذي أسس جريدة أسبوعية أطلق عليها اسم ( لبنان) كانت تصدر باللغة المحلية بالحرف اللاتيني.

موقع الموارنة اليوم

كان لفقدان الموارنة لبعض الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها قبل اتفاق الطائف أثره في تولد شعور عام ل دى المسيحيين بالتهميش، وأن حقوقهم تُسلب منهم شيئًا فشيئًا. وهذا الشعور هو السبب وراء سعي العماد"ميشيل عون"جاهدًا لاسترداد ما كان لرئيس الجمهورية الماروني من صلاحيات قبل اتفاق الطائف.

ويرجع بعض المسيحيين السبب في تراجع وضعهم الداخلي، إلى الوجود السوري في لبنان، مع أنه قد تبيّن بعد خروج السوريين أن هناك عوامل أخرى ساهمت في هذا التراجع. وهذه العوامل منها ما هو خارجي يتعلق بالتحولات داخل الطوائف الأخرى، ومنها ما هو داخلي ناتج عن التغييرات اللاحقة بالطائفة المارونية نفسها. ونذكر منها

1.هجرة الموارنة إلى خارج لبنان التي بدأت منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، وارتفعت خلال الحروب، وأبرزها الحرب العالمية الأولى، والحرب الأهلية عام 1975م، الأمر الذي ساهم في وجود خلل في التوازن الديموجرافي. فبعد أن كان المسيحيون يشكلون 60% من سكان لبنان في أربعينيات القرن الماضي أصبحوا الآن يشكلون 45% كمسجلين و37% كمقيمين.

انقسامات داخلية ولقد كان التناقض في أعداد المسيحيين أثره في سعي الموارنة جاهدين من أجل زيادة أعدادهم عبر الدعوة إلى تجنيس المغتربين المنحدرين من أصل لبناني، محاولين إرجاع هذا الخلل الديموجرافي إلى قيام السلطة اللبنانية في عام 1994م. بمنح الجنسية اللبنانية لحوالي مائتي ألف شخص، أغلبهم من المسلمين، وقد تناسى هؤلاء عمليات التجنيس العديدة التي قاموا بها سابقًا، وأبرزها تجنيس الأرمن الهاربين من تركيا خلال الحرب العالمية الأولى، وتجنيسهم أكثر من 28 ألف مسيحي من اللاجئين الفلسطينيين، ولعل هذا التجنيس هو الذي يفسر وجود الطوائف المسيحية العديدة في لبنان، مثل الطائفتين الأشورية والكلدانية الآتيتين من العراق، والطائفة السريانية الآتية من سورية، والطائفة القبطية الآتية من مصر.

2.الانقسام التاريخي بين الموارنة أنفسهم، وهذا الانقسام ليس حديث العهد كما يبدو للبعض، ففي زمن الانتداب الفرنسي وبعده زمن الاستقلال، كانت هناك"ثنائية""بشارة الخوري"و"إميل إده". ولا ننسى الصراع المرير الذي نشب في الحرب بين"إيلي حبيقة"و"سمير جعجع"، ومن ثم بين العماد"ميشيل عون"و"سمير جعجع"من أجل السيطرة على المناطق المسيحية، وهو صراع يتجدد اليوم.

ويبدو أن الانقسام بين الموارنة جعلهم يعيشون حالة من التشويش والارتباك ساهمت في دخولهم في اللعبة الدولية المخططة لتأجيج الصراع بين السنة والشيعة، فألحق فريق منهم نفسه بحزب الله وأقام معه تحالفًا، مستغلًا بذلك عدد السكان الذي يمكن أن يوصل رئيس هذا الفريق"العماد ميشيل عون"إلى سدة الرئاسة، وألحق الفريق الثاني نفسه بالتيار السني، وهو تيار المستقبل، أو تيار آل الحريري، ودخل في"قوى 14 آذار"، مستفيدًا من الدعم الأمريكي والفرنسي لهذه القوى.

وأخيرًا لا ننسى أن الأحداث والحروب التي شهدها لبنان ارتبطت في كثير من الأحيان بسعي بعض رؤساء الجمهورية الموارنة إلى التجديد لأنفسهم، رغم أن الدستور الحالي والسابق يمنع ذلك، فنشبت ثورة بيضاء عام 1952م. من أجل إزاحة الرئيس"بشارة الخوري"عن الحكم بعد أن زور الانتخابات لصالحه، وكذلك لم يغادر الرئيس كميل شمعون ( 1952 1958) ولايته التي أصر على تجديدها إلا بعد ثورة شعبية مسلحة في صيف العام 1958م.. ويشهد لبنان حاليًا اضطرابات واغتيالات وتفجيرات منذ تاريخ التجديد القسري لرئيس الجمهورية الماروني إميل لحود، والذي فرضه السوريون ضد إرادة اللبنانيين، مما ساهم في تأجيج الصراع الداخلي الذي لايزال لبنان يعاني من آثاره حتى الآن.

السُّنة.. ضمانة عروبة لبنان

كان سكان لبنان قبيل الفتح العربي له عام 635م، على يد أبي عبيدة بن الجراح، يتألفون من مزيج من شعوب مختلفة، وكانت غالبيتهم من بقايا الكنعانيين (وهم الفينيقيون والآراميون الذين عرفوا فيما بعد باسم واحد لهم هو"السريان"، وسماهم العرب الأنباط) . كذلك كان يوجد بعض اليونانيين والرومان من بقايا الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية، بالإضافة إلى بعض الأرمن والفرس ومجموعة من القبائل العربية القديمة كالأيطوريين، والأنباط الآتين من الأردن الذين تحمل اسمهم بلدة النبطية الشيعية قرب صيدا.

أما في المناطق الداخلية اللبنانية فكانت قبائل كندة وقيس وكنانة ولخم وجذام واللغات السائدة كانت السريانية لعامة الشعب، واليونانية والرومانية كلغتين رسميتين، والعربية والفارسية للقبائل العربية والفارسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت