انتقلت جماعته إلى وادي العاصي في شمال لبنان عام 400م، ثم استقرت هذه الجماعة بين العام 451م، و634م، في المناطق الجبلية في لبنان الشمالي (بين إهدن الزاوية، جبة بشري البترون، وجبة المنيطرة نهر إبراهيم) إثر صراع مذهبي داخل الكنيسة المسيحية بين من يقولون بطبيعة المسيح الواحدة، وهم اليعاقبة الأرثوذكس، وبين من يقولون بطبيعتين للمسيح، ومن أشهرهم الموارنة.
كانت عيون الموارنة تتطلع دائمًا نحو الغرب وخاصة فرنسا، وارتبطوا رسميًا ببابا روما عام 1180م، وقد ظهر ذلك جليًا في مناصرتهم للروم وللصليبيين وللدول الغربية عامة وفرنسا خاصة.
عاش الموارنة في العهد العثماني تحت إمرة الدروز في فترتين زمنيتين الفترة الأولى كانت تحت سيطرة الأمراء المعنيين (1516-1697م) والفترة الثانية كانت تحت سيطرة الأمراء الشهابيين (1697-1841م) . وقد برز تأثيرهم السياسي منذ تلك الفترة، نتيجة لظهور طبقة متعلمة من الموارنة اعتمدها الأمراء الشهابيون في أعمالهم، حتى إنهم تمكنوا من تنصير بعض الأمراء الشهابيين واللمعيين، مستغلين بذلك التعاطف الدرزي معهم، وأبرز هؤلاء المتنصرين الأمير بشير الثاني الشهابي (1760-1850م.) الذي تحول من الدرزية إلى النصرانية.
أدوار الموارنة السياسية
ثم تزايد بعد ذلك الدور الماروني في الجبل اللبناني سياسيًا وعسكريًا، بعد أن استعان"إبراهيم باشا"وحليفه"الأمير بشير الثاني"بالموارنة من أجل شن حملة على دروز"حوران"الذين رفضوا التجنيد، فكانت هذه الحادثة هي البداية للعداء بين الدروز والمورانة والتي أسفرت عام 1860م، عن مجازر بشعة وقعت للنصارى على يد الدروز. ولقد أحسن الموارنة استغلال هذه المجازر من أجل الانتقال بلبنان إلى مرحلة المتصرفية التي أعطتهم امتيازات سياسية ظلوا يتمتعون بها حتى العام 1989م، تاريخ توقيع اتفاقية الطائف الذي أعاد توزيع السلطات السياسية بين اللبنانيين.
حماية فرنسية
بدأت علاقة الموارنة بفرنسا بعد أن منح السلطان العثماني"سليمان القانوني"ملك فرنسا"فرنسوا الأول"امتيازًا تجاريًا يعترف فيه لمواطني الدولة الفرنسية ببعض الامتيازات القانونية والتجارية عند وجودهم في الامبراطورية العثمانية. وأول تصريح رسمي (مرسوم) وضع الموارنة والبطريرك في الحماية الفرنسية أصدره"لويس الرابع عشر"في 28 أبريل 1649م.
بعد ذلك برز الدور الكبير لفرنسا في حماية الموارنة بعد صراعهم المرير مع الدروز عام 1860م، ثم أثناء فترة الانتداب الفرنسي على لبنان (1920-1943م) ؛ حيث لم تدع فرنسا في تلك الفترة منصبًا حساسًا إلا ورفعتهم إليه، وكرست الامتيازات التي أعطتهم إياها في الدستور الجديد الذي صاغته مع نصارى لبنان عام 1926م..
هذا وقد عمدت فرنسا أيضًا، من أجل تثبيت زعامة الموارنة على المسلمين إلى الادعاء بتفوقهم العددي، وبأنهم يمثلون الأكثرية النسبية بين الطوائف اللبنانية. وقامت باجراء إحصاء لعدد السكان عام 1932م. دُفع النصارى إلى المشاركة فيه دفعًا، بينما كان المسلمون يفرون منه خوفًا من أن يكون شكلًا جديدًا من أشكال التمهيد للسخرة.
ولكن رغم عدم مشاركة كل المسلمين في هذا الإحصاء، ورغم قيام فرنسا بإحصاء النصارى المقيمين والمغتربين الأحياء منهم والأموات، إلا أنها لم تستطع أن تحسم النتائج لصالح النصارى، لذلك ختمت هذا الإحصاء بتوصية بالغة، مؤكدة على عدم إجراء أي إحصاء آخر أبدًا، مع التحذير البالغ من أن الخديعة التي ذهب ضحيتها الكثير من المسلمين لا يمكن أن تنطلي مجددًا. ولم يجر إحصاء رسمي لسكان لبنان منذ عام 1932م..
تكريس الطائفية
وهكذا يتبين أن فرنسا هي التي عملت من أجل تكريس الطائفية في لبنان، حتى إنها لم تغادر هذا البلد إلا بعد أن أرست دعائم هذه الطائفية. وقالت في البند الأول من المنشور الذي وجهته إلى أبناء"يسوع المسيح"قبل مغادرتها عام 1943م"قد رتبنا لكم أهم الأشياء التي تضمن لكم معيشة حسنة على هذه المنطقة، مثل تمليك الأراضي والوكالات الأجنبية والوضع السياسي وشؤون النقد، ويبقى عليكم أن تحافظوا على هذه المكاسب وزيادتها مع الأيام".
ولقد عمل الموارنة طوال تاريخهم السياسي على تطبيق وصية فرنسا، الأم الحنون، وحافظوا على الامتيازات السياسية التي حصلوا عليها منذ عهد الانتداب وكرسوها كمكتسبات شخصية، علمًا بأن هذه المكتسبات لم تكن مما تَوافق عليها اللبنانيون أو ذكروها في الدستور، أو حتى تعاهدوا عليها في الميثاق الشهير عام 1943م.
ثم تجلت هذه المكتسبات في أمور عدة منها إطلاق يد رئيس الجمهورية بدون قيد أو شرط، فكان هو الذي يعيّن رئيس مجلس الوزارء والوزراء وهو الذي يقيلهم. ومنها أيضًا تركيبة المجلس النيابي التي كانت تضمن الأكثرية من النصارى فيه، وكذا المراكز السياسية والإدارية والمالية والعسكرية والتربوية في البلد وخارجه من قيادة للجيش والقيادات الأمنية ورئاسة المصرف المركزي ورئاسة الجامعة اللبنانية، والتمثيل الدبلوماسي في عواصم القرار في العالم، وغير ذلك من المناصب الرئيسة التي مازالت المشاركة الإسلامية فيها محدودة وضيقة حتى اليوم.
لم يكتف الموارنة بالمكتسبات التي حصلوا عليها في عهد الانتداب والاستقلال، وإنما نجدهم يسعون دائمًا إلى توسيع دائرتها واكتساب المواقع الجديدة لهم، وهم لا يتخلون عن هذه المواقع مهما كانت الأسباب.
فبالرغم من التغيير الديموجرافي الناتج عن تناقص الموارنة والمسيحيين عامة، إلا أنهم يرفضون التخلي عن أي موقع كانوا يشغلونه، حتى لو أدى هذا إلى ظلم بالطوائف الأخرى وقيام الصراعات الداخلية، وحجتهم في ذلك"أنه إذا كانت هناك امتيازات بين أيديهم، فعلى الفريق الآخر أن يتفهم خلفياتها. فوراءها خوف الأقلية من الأكثرية. ثم إن لبنان له شخصيته الفريدة المختلفة عن شخصية أي بلد آخر في المنطقة. فما المانع من أن يكون للمسيحيين فيه وضع خاص؟".
علاقة الموارنة باليهود
أيّد الكثير من الموارنة مواقف الحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة، وقد اشتهر بعضهم بتعاملهم المباشر مع"إسرائيل"ودعمهم اليهود في إنشاء دولة"إسرائيل"على أرض فلسطين، ومن هؤلاء رئيس الجمهورية الأول"بشارة الخوري"الذي اتهمه رئيس الوزراء"سامي الصلح"بشكل صريح بالعمالة، فكان مما قاله في البيان الذي ألقاه في المجلس النيابي "حاربونا لأننا شرعنا في مكافحة التهريب إلى"إسرائيل"لأن هذه المكافحة تقطع عليهم الرزق الحرام". كذلك فقد أيد قيام دولة"إسرائيل"الكثير من مفكريهم وسياسييهم ومطارنتهم.
وقد استمرت هذه العلاقة بين الموارنة واليهود عبر عهود كثير من الرؤساء الموارنة، إلا أنها لم تظهر للعلن إلا خلال الحرب الأهلية التي بدأت عام 1975م.. وحصل أول لقاء سياسي بالقادة"الإسرائيليين"بواسطة"جوزف أبو خليل"أحد مسؤولي حزب الكتائب الماروني عام 1976م، وبعد ذلك توالت اللقاءات بين الفريقين، واشترك فيها أغلب القادة الموارنة المنتمين إلى الجبهة اللبنانية، وعلى رأسهم الرئيس السابق"كميل شمعون"زعيم حزب الوطنيين الأحرار، و"بيار الجميل"زعيم حزب"الكتائب اللبنانية"، و"بشير جميل"وشقيقه"أمين جميل"، وقائدا القوات اللبنانية، الجناح العسكري لحزب الكتائب سابقًا،"إيلي حبيقة"و"سمير جعجع"... وغيرهم كثير.