اشتد النقاش بيني وبينها ، فغضب مدير الجوازات وطردنا من المكتب ،خرجنا نجرُّ خطانا ، وأنا بين رحمةٍ بها ، وغضب عليها ، ذهبنا لنتدارس الأمر في غرفتنا ، أنا أُحاول إقناعها ، وهي تحاول إقناعي ،إلى أن أظلم الليل ، فصلينا العشاء ، وأنا مشغولُ البال ، ثم أكلنا ما تيسر ، ووضعت رأسي لأنام ، فلما رأتني كذلك ، تغير وجهها ،ثم التفتت إلى وقالت: خالد ، تنام !! قلت: نعم ، أما تحسين بالتعب ،!! قالت: سبحان الله ، في هذا الموقف العصيب تنام !! نحن نعيش موقفًا يحتاج منا إلى لجوء إلى الله ، قُم الجأ إلى الله فإن هذا وقت اللجوء ، فقمت ، وصليت ما شاء الله لي أن أصلي ، ثم نمت ، أما هي فقامت تصلي ، وتصلي ، وكلما استيقظت ، نظرت إليها ، فرأيتها إما راكعة ،أو ساجدة ، أو قائمة ، أو داعية ، أو باكية ، إلى أن طلع الفجر ، ثم أيقظتني ، وقالت: دخل وقت الفجر ، فهلُّم نصلي سويًا ، فقمت ، وتوضأت ، وصلَّينا ، ثم نامت قليلًا ، وبعدما طلعت الشمس ، استيقظت ، وقالت: هيا لنذهب إلى الجوازات !! فقلت لها: نذهب إلى الجوازات !! بأيِّ حجة ؟! أين الصور ؟؟ ليس معنا صور ؟! قالت: لنذهب ونحاول ، لا تيأس من روح الله ، لا تقنط من رحمة الله ، فذهبنا ، ووالله ما إن وطأت ، أقدامنا أول مكتب من مكاتب الجوازات ، ورأوا زوجتي وقد عرفوها من حجابها ، وإذ بأحد الموظفين ينادي: أنت فلانة ؟ قالت: نعم ! قال: خذي جوازكِ ، فإذا هو مكتمل تمامًا ، بصورها المحجبة ، فاستبشرت ، والتفتت إليَّ وقالت: ألم أقل لك""ومن يتق الله يجعل له مخرجا"، فلما أردنا الخروج ، قال الموظف: لابد أن تعودوا إلى مدينتكم التي جئتم منها ، وتختموا الجواز منها ، فرجعنا إلى المدينة الأولى ، وأنا أقول في نفسي ، هذه فرصة لتزور أهلها قبل سفرنا من روسيا ، وصلنا إلى مدينة أهلها ، استأجرنا غرفة ، وختمنا الجواز ."
رحلة العذاب
ثم ذهبنا لزيارة أهلها ، وطرقنا الباب ، كان بيتُهم قديمًا متواضعًا ، يبدو الفقر على سكانه ظاهرًا ، فتح الباب أخوها الأكبر ، كان شابًا مفتول العضلات ، فَرِحَت المسكينة بأخيها ، وكشفت وجهها وابتسمت ، ورحبت ! أما هو فأول ما رآها تقلب وجهه بين فرح برجوعها سالمة ، واستغراب من لباسها الأسود الذي يغطي كل شيء ، دخلت زوجتي وهي تبتسم ، وتعانق أخاها ، ودخلْتُ وراءها ، وجلسْتُ في صالة المنزل ، جلست وحيدًا ، أما هي ، فدخلت داخل البيت ، أسمعها تتكلم معهم باللغة الروسية ، لم أفهم شيئًا ، لكنني لاحظت أن نبرات الصوت بدأت تزداد حدة !! واللهجة تتغير !! والصراخ يعلو !! وإذا كلهم يصرخون بها ، وهي تدافع هذا ، وترد على ذاك ، فأحسست أن الأمر فيه شر ! ولكنني لا أستطيع أن أجزم بشيء لأني لم أفهم من كلامهم شيئًا ، وفجأة بدأت الأصوات تقترب من الغرفة التي أنا فيها ، وإذا بثلاثة من الشباب ، يتقدمهم رجل كهل ، يدخلون على ، توقعت في البداية أنهم سيرحِّبون بزوج ابنتهم ! وإذا بهم يهجمون عليَّ كالوحوش ، وإذا بالترحيب ينقلب إلى لكمات ، وضربات ، وصفعات !!! أخذت أدفعهم عن نفسي ، وأصرخ وأستغيث ، حتى خارت قواي ، وشعرت أن نهايتي في هذا البيت ، ازدادوا لكمًا وركلًا ، وأنا أتلفت حولي ، أحاول أن أتذكر أين الباب الذي دخلت منه لأهرب منه ، فلما رأيت الباب ، قمت سريعًا ، وفتحتُ الباب وهربت ، وهم ورائي ، فدخلت في زحمة الناس ، حتى غبت عنهم ، ثم اتجهت إلى غرفتي ، وكانت ليست ببعيدة عن المنزل ، وقفت أغسل الدماء عن وجهي وفمي ، نظرت إلى نفسي وإذا ، بالضربات والصفعات ، قد أثّرت في جبهتي وخدّي وأنفي ، وإذا بالدم يسيل من فمي ، وثيابي ممزقة ،حمدت الله أن أنقذني من أولئك الوحوش ، لكني قلت ، أنا نجوت لكن ما حال زوجتي ؟! أخذت صورتها تلوح أمام ناظري ، هل يمكن أن تتعرض هي أيضًا لمثل هذه اللكمات والضربات ، أنا رجل ، وما كدت أتحمل ، وهي امرأة فهل ستتحمل !! أخشى أن تنهار المسكينة !
هل حان الفراق ؟
بدأ الشيطان يعمل عمله ، ويقول لي: سترتد عن دينها ، ستعود نصرانية ، وتعود إلى بلدك وحدك ، وبقيت حائرًا ، ماذا أفعل ؟ في هذه البلاد ، أين أذهب ، كيف أتصرف ، النفس في هذا البلد رخيصة ، يمكنك أن تستأجر رجلًا لقتل آخر بعشرة دولارات ! أوه ، كيف لو عذَّبوها فلم تصمد ودلَّتهم على مكاني ، فأرسلوا أحدًا لقتلي في ظلمة الليل ، أقفلت عليَّ غرفتي ، وبقيت فيها فزعًا خائفًا حتى الصباح ، ثم غيَّرت ملابسي ، وذهبت أتجسَّس الأخبار ، أنظر إلى بيتهم عن بعد ، أرقبه ، وأتابع كل ما يحصل فيه ، لكن الباب مغلق ، ظللت أنتظر ، وفجأة ! فُتح الباب ، وخرج منه ثلاثة من الشباب ، وكهل ، وهؤلاء الشباب هم الذين ضربوني ، يبدو من هيأتهم ، أنهم ذاهبون إلى أعمالهم ، أُغلق الباب ! وبقيت أرقب ، وأترقب ، وأنظر ، وأتمنى أن أرى وجه زوجتي ، ولكن لا فائدة ، ظللت على هذا الحال ساعات ، وإذا بالرجال يقدمون من عملهم ويدخلون البيت ، تعبت فذهبت إلى غرفتي ، وفي اليوم الثاني ذهبت أترقب ولم أر زوجتي ، وفي اليوم الثالث كذلك ، يئِست من حياتها ، توقعت أنها ماتت من شدة العذاب ، أو قُتلت ! ولكن لو كانت ماتت ، فعلى الأقل سيكون هناك حركة في البيت ، سيكون هناك من يأتي للعزاء ، أو الزيارة ، لكني عندما لم أر شيئًا غريبًا ، أخذت أقنع نفسي أنها حية ، وأن اللقاء سيكون قريبًا .
اللقاء !!
وفي اليوم الرابع ، لم أصبر على الجلوس في غرفتي ، فذهبت أرقب بيتهم من بعيد ، فلما ذهب الشباب مع أبيهم إلى أعمالهم ، كالعادة ، وأنا أنظر وأتمنى ، فإذا بالباب يُفتح فجأة ، وإذا بوجه زوجتي يطل من ورائه ، وإذا بها تلتفت يمنة ويسرة ، نظرتُ إلى وجهها ، فإذا به دوائر حمراء ، وَلَكَمَاتٌ زرقاء ، من كثرة الصفعات والكدمات ، وإذا لباسها مخضَّب بالدماء ، فزعت من منظرها ، وَرَحِمْتُهَا ، اقتربت منها مسرعًا ، نظرت إليها أكثر ، فإذا الدماء تسيل من جروح في وجهها ، وإذا يداها ، وقدماها ، تسيل بالدماء ، وإذا ثيابها ممزقة ، لم يبق منها إلا خرقة بسيطة تسترها ، وإذا بأقدامها مربوطة بسلسلة ! وإذا بيديها مربوطة بسلسلة من خلف ظهرها ، لما رأيتها ، بكيت ، لم أستطع أن أتمالك نفسي ، ناديتها من بعيد !
ثبات ، وتثبيت