فقالت لي وهي تدافع عبراتها ، وتئن من شدة عذابها: اسمع يا خالد ، لا تقلق علي ، فأنا ثابتة على العهد ، ووالله الذي لا إله إلا هو ، إن ما أُلاقيه الآن ، لا يساوي شعرة مما لاقاه الصحابة والتابعون ، بل والأنبياء والمرسلون ، وأرجوك يا خالد ، لا تتدخل بيني وبين أهلي ، واذهب الآن سريعًا ، وانتظر في الغرفة ، إلى أن آتيك إن شاء الله ، ولكن أكثِر من الدعاء ، أكثِر من قيام الليل ، أكثِر من الصلاة ، ذهَبتُ من عندها ، وأنا أتقطع ألمًا وحسرة عليها ، وبقيت في غرفتي يومًا كاملًا أترقبها ، وأتمنى مجيئها ، ومرَّ يومٌ آخر ، وبدأ اليوم الثالث يطوي بساطه ، حتى إذا أظلم الليل ، إذ بباب الغرفة يُطرق ؟ ففزعت ، وقلت من بالباب ؟! من الطارق ، أصبت بخوف شديد ، مَن الذي يأتي في منتصف الليل !! لعل أهلها علموا بمكاني ، لعل زوجتي اعترفت ، فجاءوا لقتلي ، أصبت برعب كالموت ، لم يبق بيني وبين الموت إلا شعرة ، أخذت أردد قائلًا: من بالباب ؟ فإذا بصوت زوجتي يقول بكل هدوء ، افتح الباب . أنا فلانة ، أضأت نور الغرفة ، فتحت الباب ،دخلت عليَّ وهي تنتفض ، على حالة رثة ، وجروح في جسدها ،قالت لي: بسرعة ، هيا نذهب الآن ! قلت: وأنت على هذا الحال ؟ قالت: نعم ، بسرعة ، بدأت أجمع ملابسي ، وأقبلت هي على حقيبتها ، فغيرت ملابسها ، وأخرجَت حجابًا وعباءة احتياطية ، فلبستها ، ثم أخذنا كل ما لدينا ، ونزلنا ، وركبنا سيارة أجرة ، ألقت المسكينة بجسدها المتهالك الجائع المعذب ، على كرسي السيارة .
إلى المطار !!
وأول ما ركبت أنا ، قلت للسائق باللغة الروسية: إلى المطار ، وكنت قد عرفت بعض الكلمات الروسية ، فقالت زوجتي: لا ، لن نذهب إلى المطار ، سنذهب إلى القرية كذا ، قلت: لماذا ؟ نحن نريد أن نهرب ، قالت: صحيح ، ولكن إذا اكتشف أهلي هروبي ، سيبحثون عنا في المطار ، ولكن نهرب إلى قرية كذا ، فلما وصلنا تلك القرية ، نزلنا ، وركبنا سيارة أخرى إلى قرية أخرى ، ثم إلى قرية ثالثة ، ثم إلى مدينة من المدن التي فيها مطار دولي ، فلما وصلنا إلى المطار الدولي ، حجزنا للعودة إلى بلادنا ، وكان الحجز متأخرًا فاستأجرنا غرفة وسكناها ، فلما استقر بنا المقام في الغرفة ، وشعرنا بالأمان ، نزعت زوجتي عباءتها ، فأخذت أنظر إليها ،يا الله ليس هناك موضع سَلِمَ من الدماء !! جسد ممزق ، دماء متحجرة ، شعر مقطع ، شفاه زرقاء !
ماذا دهاكِ ؟
سألتها: ما الذي حصل ؟
فقالت: عندما دخلنا إلى البيت جلست مع أهلي ، فقالوا لي: ما هذا اللباس ؟!!
قلت: إنه لباس الإسلام ، قالوا: ومن هذا الرجل ؟ قلت: هذا زوجي ، أنا أسلمت وتزوجت بهذا الرجل المسلم ، قالوا: لا يمكن هذا ، فقلت: اسمعوا أحكي لكم القصة أولًا ، فحكيت لهم القصة ، وقصة ذلك الرجل الروسي الذي أراد أن يَجُرَّني إلى الدعارة ، وكيف هربتُ منه ، ثم التقيتُ بك ، فقالوا: لو سلكتي طريق الدعارة ، كان أحب إلينا من أن تأتينا مسلمة ، ثم قالوا لي: لن تخرجي من هذا البيت إلا أرثوذكسية أو جثة هامدة !! ومن تلك اللحظة ، أخذوني ثم كتفوني ، ثم جاءوا إليك وبدؤوا يضربونك ، وأنا أسمعهم يضربونك ، وأنت تستغيث ، وأنا مربوطة ، وعندما هربت أنت ،رجع إخوتي إليَّ ، وعادوا لسبي وشتمي ،ثم ذهبوا واشتروا سلاسل ، فربطوني بها ، وبدءوا يجلدونني !! كل يوم يبدأ الضرب بعد العصر إلى وقت النوم ، أما في الصباح فإخواني وأبي في الأعمال ، وأمي في البيت ، وليس عندي إلا أخت صغيرة عمرها 15 سنة ، تأتي إلى وتضحك من حالتي ، وهذا هو وقت الراحة الوحيد عندي ، هل تصدق أنه حتى النوم ، أنام وأنا مغمى علي ! يجلدونني إلى أن يُغمى علي وأنام ، وكانوا يطلبون مني فقط أن أرتد عن الإسلام ، وأنا أرفض وأتصبر ، بعد ذلك ، بدأت أختي الصغيرة ، تسألني لماذا تتركين دينك ، دين أمك ، دين أبيك ، وأجدادك ؟
يجعل له مخرجًا
فأخذت أقنعها ، أُبيّن لها الدين ، وأوضح لها التوحيد ، فبدأت فعلًا تشعر بالقناعة ، بدأت تتأثر ! بدأت صورة الإسلام أمامها تتضح ! ففوجئت بها تقول لي: أنت على الحق ، هذا هو الدين الصحيح ، هذا هو الدين الذي ينبغي أن ألتزمه أنا أيضًا !! ثم قالت لي: أنا سأساعدك ، قلت لها: إذا كنتِ تريدين مساعدتي ، فاجعليني أقابل زوجي ! فبدأت أختي تنظر من فوق البيت ، فتراك وأنت تمشي ، فكانت تقول لي:
إنني أري رجلًا صفته كذا وكذا ، فقلت: هذا هو زوجي ، فإذا رأيتيه فافتحي لي الباب لأكلمه ، وفعلًا فتحت الباب فخرجْتُ وكلمتُك ، لكني لم أستطع الخروج إليك ، لأني كنتُ مربوطة بسلسلتين ، مفتاحهما مع أخي ، وسلسلة ثالثة ، مربوطة بأحد أعمدة البيت ، حتى لا أخرج ، مفتاحها مع أختي هذه ، لأجل أن تطلقني للذهاب إلى الحمام ، وعندما كلمتك ، وطلبت منك أن تبقى إلى أن آتيك ، كنت مربوطة بالسلاسل ، فأخذت أقنع أختي بالإسلام ، فأسلمت ، وأرادت أن تضحي تضحية تفوق تضحيتي ، وقرّرت أن تجعلني أهرب من البيت ، لكن مفاتيح السلاسل مع أخي ، وهو حريص عليها ، في ذاك اليوم أعدَّت أختي لإخوتي خمرًا مركزًا ثقيلًا ، فشربوا ، وشربوا ، إلى أن سكروا تمامًا لا يدرون عن شيء ، ثم أخذت المفاتيح من جيب أخي ، وفكت السلاسل عني ، وجئت أنا إليك في ظلمة الليل ، فقلت لها: وأختكِ ، ماذا سيحصل لها ؟ ، قالت: ما يُهمّ ، قد طلبتُ منها أن لا تعلن إسلامها ، إلى أن نتدبَّر أمرها ، نمنا تلك الليلة ، ومن الغد رجعنا إلى بلدنا ، وأول ما وصلنا أُدخلت زوجتي إلى المستشفي ، ومكثت فيها عدة أيام تعالج من آثار الضربات والتعذيب ، وها نحن اليوم ندعو لأختها أن يثبتها الله على دينه . (18)
* هذه المسلمة حديثة عهد بالإسلام تعطينا درسا عظيما في التضحية والثبات والصدق والعزيمة ، والإخلاص والتجرد .
* أين أولئك المسلمات بالوراثة واللاتي لا يعرفن من الإسلام إلا اسمه ، ولم يتذوقن حلاوة الإيمان ، وعذوبة البذل والعطاء لهذا الدين ؟
* ألا يدعونا هذا إلى التمسك بديننا ، والدعوة إليه بكل ما نملك من وسائل وأساليب ؟
والله تعالى يقول { فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إليك إِنَّكَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) } سورة الزخرف .
* أليس هذا من البراهين القاطعة على عظمة هذا الدين: دين العدالة والإنصاف ، دين الطهر والعفاف: وأن المستقبل لهذا الدين الذي تشرق شمسه على قلوب الملايين مع ما تمر به أمتنا من محن متعاقبات ومن ضعف وشتات: لكنَّ عظمةَ أحكامه ورفعة مقاصده وقوة حجته وروعة بيانه كم فتحت أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا !
{ فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ 125} وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ {126} لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {127} .
(1) - نقلًا عن مجلة الجندي المسلم عدد 101 رمضان 1421هـ - 2000م السعودية .
(2) - ديوان"لا يا قيود الأرض"للشاعر ياسر العيتي ص18 .