فرحت ، وبكت ، وقالت: أنا امرأة من روسيا ، قصتي كذا وكذا ، ليس معي مال ، وليس لي مسكن ، أريد العودة إلى بلادي ، أريد منكم فقط إيوائي ، يومين أو ثلاثة ، حتى أتدبَّر أمري مع أهلي وإخوتي في بلادي ، أخذ الشاب ( خالد ) يفكر في أمرها ، ربما تكون مخادعة ! أو محتالة ! وهي تنظر إليه وتبكي ، وهو يشاور أمه وأختيه ، وفي النهاية أخذوها إلى البيت ، وبدأت تتصل بأهلها ، ولكن لا مجيب ، الخطوط متعطلة في ذاك البلد ! وكانت تعيد في كل ساعة الاتصال ، عرفوا أنها نصرانية ، تلطفوا معها ، رفقوا بها ، أحبتهم ، عرضوا عليها الإسلام ، ولكنها رفضت ، لا تريد ، بل لا تقبل النقاش في موضوع الدين أصلًا ، لأنها من أسرة"أرثوذكسية"متعصبة تكره الإسلام والمسلمين ! فذهب خالد ، إلى مركز إسلامي للدعوة ، وأحضر لها كتبًا عن الإسلام باللغة الروسية ، فقرأتها ، وتأثرت بها ، ومرت الأيام ، وهم يحاولون ويقنعون ، حتى شرح الله صدرها ، وحسن إسلامها ، وبدأت تهتم بتعاليم الدين ، وتحرص على مجالسة الصالحات ، وخافت أن ترجع إلى بلدها فترتد إلى نصرانيتها ، فتزوَّجها خالد ، وكانت أكثرَ تمسكًا بالدين ، وحرصا على طلب العلم ، ذهبت يومًا مع زوجها إلى السوق ، فرأت أختا مسلمة ، قد غطت وجهها ، وكانت هذه أولَ مرَّة تري فيها امرأة كذلك ، فاستغربت من هذا الشكل !! وقالت: خالد ، لماذا هذه المرأة بهذا الشكل ؟ لعل هذه المرأة مصابة بعلَّة شوَّهت وجهها ، فغطته ؟ قال: لا ، هذه المرأة التزمت بهذا الحجاب الشرعي ، فسكتت قليلًا ، ثم قالت: نعم ، فعلًا ، هذا هو الحجاب الإسلامي ، الذي أراده الله منا ، قال: وما أدراكِ ؟ قالت: أنا الآن إذا دخلت أي محل تجاري ، لا تنزل أعين أصحاب المحل عن وجهي ! تكاد تلتهم وجهي قطعة قطعة !! إذن وجهي هذا لابد أن يُغطَّى ، لا بد أن يكون لزوجي فقط يراه ، إذن لن أخرج من هذا السوق إلا بمثل هذا الحجاب ، فمن أين نشتريه ؟ قال: استمري على حجابك هذا ، كأمي وأخواتي ، قالت: لا بل أريد الحجاب الذي اقتنعت به ، مرت الأيام على هذه الفتاة ، وهي لا تزداد إلا إيمانًا ، وأحبها من حولها ، وملكت على زوجها قلبه ومشاعره ، وفي ذات يوم نظرت إلى جواز سفرها ، فإذا هو قد قارب على الانتهاء ، ولا بد أن يُجدَّد ، والأصعب من ذلك ، أنه لا بد أن يُجدد من المدينة نفسها التي تنتمي إليها ، إذن لا بد من السفر إلى روسيا ، وإلا تعتبر إقامتها غير نظامية ، قرر خالد السفر معها ، فهي لا تريد السفر من غير محرم ، ركبوا في طائرة تابعة للخطوط الروسية ، وركبت هي بحجابها الكامل !! وجلست بجانب زوجها شامخة بكل عزة ، قال لها خالد: أخشى أن نقع في إشكالات بسبب حجابك ، قالت: أنتِ الآن تريد مني أن أطيع هؤلاء الكفرة ! لا ، والله ، فليقولوا ما شاءوا ،بدأ الناس ينظرون إليها ، وبدأت المضيفات يوزِّعن الطعام ، ومع الطعام الخمور ، وبدأ الخمر يلعب بالرؤوس ، وبدأت الألفاظ النابية ، توجه إليها من هنا وهناك ، فهذا يتندر ، وذاك يضحك ، والثالث يسخر ، ويقفون بجانبها ، ويعلَّقون عليها، وخالد ينظر إليهم ، لا يفهم شيئًا ، أما هي فكانت تبتسم وتضحك ، وتترجم له ما يقولون ، غضب الزوج ، فقالت: لا ، لا تحزن ، ولا يضِق صدرك ، فهذا أمر هيِّن ، في مقابل ما جابهه الصحابة ، وما حصل للصحابيات من بلاء وابتلاء ، صبرت هي وزوجها ، حتى وصلت الطائرة .
في روسيا .
عزيمةٌ وإصرار
قال خالد: عندما نزلنا في المطار ، كنت أظن أننا سنذهب إلى بيت أهلها ، ونسكن عندهم ثم بعد ذلك ننهي إجراءاتنا ونعود ، لكن نظرة زوجتي كانت بعيدة ، قالت لي: أهلي ( آرثوذوكس ) متعصبون لدينهم ، فلا أريد أن أذهب الآن ! لكن نستأجر غرفة ، ونبقى فيها ، وننهي إجراءات الجواز ، وقبيل السفر نزور أهلي ، فرأيت أن هذا رأيًا صوابًا ، استأجرنا غرفة وبتنا فيها ، ومن الغد ذهبنا إلى إدارة الجوازات ، دخلنا على الموظف فطلب الجواز القديم وصورًا للمرأة ، فأخرجت له صورًا لها بالأسود والأبيض ، ولا يظهر منها إلا دائرة الوجه فقط ، فقال الموظف: هذه صورة مخالفة ، نريد صورة ملونة ، يظهر فيها الوجه والشعر والرقبة كاملة !! فأبت أن تعطيه غير هذه الصور ، وذهبنا إلى موظف ثانٍ ، وثالث ، وكلهم يطلبون صورًا سافرة ، وزوجتي تقول: لا يمكن أن أعطيهم صورة متبرجة أبدًا ، فرفض الموظفون استقبال الطلب ، فتوجهنا إلى المديرة، فاجتهدت زوجتي أن تقنعها بقبول هذه الصور ، وهي تأبى ، فأخذت زوجتي تلح وتقول: ألا ترين صورتي الحقيقية ، وتقارني بالصور التي معك ، المهم رؤية الوجه ، الشعر قد يتغير ، هذه الصور تكفي ؟! والمديرة تصر على أن النظام ، لا يقبل هذه الصور ، فقالت زوجتي: أنا لن أحضر غير هذه الصور ، فما الحل ؟ قالت المديرة: لن يحل لكم الإشكال إلا مدير عام الجوازات في موسكو ، فخرجنا من إدارة الجوازات ، فالتفتت إلى وقالت: يا خالد نسافر إلى موسكو ، عندها قلت لها: أحضري الصور التي يريدون ، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، فاتقوا الله ما استطعتم ، وهذه ضرورة ، والجواز سيراه مجموعة من الأشخاص فقط ، للضرورة ، ثم تخفينه في بيتك إلى أن تنتهي مدته ، دعي عنك المشاكل ، لا داعي للسفر إلى موسكو ، فقالت: لا ، لا يمكن أن أظهر بصورة متبرجة ، بعد أن عرفت دين الله سبحانه وتعالى .
في موسكو
أصرَّت عليَّ فسافرنا إلى موسكو ، واستأجرنا غرفة وسكنَّاها ، ومن الغد ذهبنا إلى إدارة الجوازات ، دخلنا على الموظف الأول فالثاني فالثالث وفي نهاية المطاف ، اضطررنا للتوجه إلى المدير الأصلي ، دخلنا عليه ، عندما رأي الجواز ، أخذ يقلب الصور ، ثم رفع رأسه إلى زوجتي وقال: من يثبت لي أنكِ صاحبة هذه الصور ؟ يريدها أن تكشف وجهها ليراها ، فقالت له: قل لأحد الموظفات عندك ، أو السكرتيرات ، تأتي فأكشف وجهي لها ، وتطابق الصور ، أما أنت فلن تطابق الصور ، ولن أكشف لك وجهي ، فغضب الرجل ، وأخذ الجواز القديم ، والصور ، وبقية الأوراق ، وضم بعضها إلى بعض ، وألقاها في درج مكتبه الخاص ، وقال لها: ليس لكِ جواز قديم ، ولا جديد إلا بعد أن تأتين إليَّ ، بالصور المطابقة تمامًا ، ونطابقها عليك ، أخذت زوجتي تتكلم معه ، تحاول إقناعه ، ويتكلمان بالروسية ، وأنا أنظر إليهما ، لا أفهم شيئًا ، لكني غضبت ، ولا أستطيع أن أفعل شيئًا ، وهو يردد: لا بد من إحضار الصور على شروطنا ، حاولت المسكينة إقناعه ، ولكن لا فائدة ! فسكتت وظلت واقفة ،التفتُّ إليها ، وأخذت أعيد عليها وأكرر: يا عزيزتي ، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، ونحن في ضرورة ، إلى متى نتجول في مكاتب الجوازات ، فقالت لي: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا } (سورة الطلاق: 2)