فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 2255

(( كان من نتائج ذلك كله أن أصبحت المرأة كلًا على زوجها، وأصبح الولد عبئًا على أبيه، وتعذر على كل فرد أن يقيم أود نفسه، فضلًا على أن يعول غيره من المتعلقين به0 وقضت الأحوال الاقتصادية أن يكون كل واحد من أفراد المجتمع عاملًا مكتسبًا0 فاضطرت جميع طبقات النساء- من الأبكار والأيامى والثيبات- أن يخرجن من بيوتهن لكسب الرزق رويدًا0

(( ولما كثر بذلك اختلاط الصنفين، واحتكاك الذكور والإناث، وأخذت تظهر عواقبه الطبيعية في المجتمع، تقدم هذا التصور للحرية الشخصية، وهذه الفلسفة الجديدة للأخلاق، فهدأ من قلق الآباء والبنات، والإخوة والأخوات، والبعولة والزوجات، وجعلا نفوسهم المضطربة تطمئن إلى أن الذى هو واقع أمام أعينهم، لا بأس به، فلا يوجسوا منه خيفة، إذ هو ليس هبوطًا وترديًا، بل هو نهضة وارتقاء(Emancipation) وليس فسادًا خلقيًا، بل هو عين اللذة والمتعة التى يجب أن يقتنيها المرء في حياته، وأن هذه الهاوية التى يدفع بهم إليها الرأسمالى، ليست بهاوية النار، بل هى جنة تجرى من تحتها الأنهار ( ) 0

(( وما وقف الأمر عند هذا الحد0 بل جاء النظام الرأسمالى الذى دفعت قواعده على هذا التصور للحرية الشخصية، فمنح الفرد حقًا مطلقًا من كل قيد أو شرط في اكتساب الثروة بكل ما أمكنه من الطرق0 وتبعته فلسفة الأخلاق فأباحت له كل وسيلة يمكن أن تتخذ لجمع الأموال، وإن كان إثراء الفرد الواحد بتلك الوسائل والطرق مهلكة أفراد كثيرين00 وبذلك تألف نظام التمدن0 من أوله إلى آخره، على صورة تؤثر الفرد على الجماعة من كل وجهة، وليس فيها ضمان للمحافظة على مصالح الجماعة بإزاء أثرة للفرد0 فانفتحت السبل على إخوان الطمع والأثرة ليغيروا ويعتدوا على المجتمع كيف يشاءون0 فعمد هؤلاء إلى الغرئز الإنسانية يتحسسون فيها مواطن الضعف والخلل، وراحوا يتفننون في استغلالها لأغراضهم0 فقام أحدهم، وروج في الناس سيئة الخمر جلبًا للثروة إلى جيبه، ولم ينهض منهم من ينقذ المجتمع من غوائل هذا الطاعون0 وقام آخر وابتلى خلق الله بآفة الربا، ونصب شبكته في القاصية والدانية، وما هنالك من يدفع عن دماء الناس ضر هذا العلق، بل حافظت القوانين على مصلحة هذه الدويبة الفتاكة، كى لا يسلم منها أحد بقطرة من دمه0 وجاء ثالث وأشاع في المجتمع طرقًا مبتكرة للقمار، حتى لم تسلم شعبة من شعب التجارة من عنصره، وما ثمة من يتقدم لحفظ الحياة الاقتصادية من هذه الحمى المحرقة0

(( وما كان من الممكن في هذا العصر من الأنانية والبغى والعدوان الفردى، أن يغرب عن إخوان الأثرة والطمع، ذلك الضعف الإنسانى الأكبر00 الشهوة الجامحة00 التى يمكنهم باستثارتها جلب كثير من المنافع0 فلم يفتهم ذلك فعلًا، بل استخدموا غريزة الشهوة العارمة في الإنسان ما وسعهم وما أمكنهم0 إذ أصبح مدار العمل والعناية كلمة في المراقص والمسارح ومراكز إخراج الأفلام، على أن تستخدم لها الغيد الحسان، ويعرضن على المنصة في صورة أكمل من التبرج، وفى هيئة أكبر من العرى، ويجلب الذهب من جيوب الرجال بأكثر ما يمكن من إضرام نار الشهوة فيهم 00 جاء قوم فمهدوا الأسباب لإكراء النساء، وتقدموا بحرفة الغباء إلى أن أصبحت تجارة دولية منظمة00 وجاء آخرون فتفننوا في صنع أدوات الزينة والزخرفة، ثم عمموها في المجتمع ليزيدوا من غريزة التبرج التى جبلت عليها المرأة إلى أن يجعلوها فيهن هوسًا، ويجمعوا بذلك الذهب والفضة ملء أكفهم00 وجاءت فئة أخرى فاخترعوا لملابس النساء أزياء كاشفة مغرية، واستخدموا كل فاتنة الجمال لتلبسها وتغشى بها النوادى والحفلات، حتى يقبل عليها الشباب ويفتنوا بها، فتغرم الفتيات بتلك الأزياء الجديدة من اللباس، وتربح تجارة مخترعيها0 وتذرع آخرون بإشاعة الصور العارية والقصص الغرامية، والمقالات الخليعة، إلى استدرار الأموال، وأخذوا كذلك يملأون جيوبهم بإصابة العامة بالجذام الخلقى0 حتى انتهت الحال، على مضى الأيام، إلى أن لم تبق ناحية من نواحى التجارة خالصة من عنصر الإغراء0 وها أنت ذا صرت لا ترى في زمانك هذا إعلانًا من الإعلانات التجارية في الجرائد والمجلات، إلا وسمته الملازمة البارزة، صورة امرأة عارية أو في حكم العارية، كأنه لم يعد من الممكن أن يكون إعلان ما وافيًا بالغرض بدون وجود المرأة( ) ، ولا تجد كذلك فندقًا من الفنادق ولا مقهى، ولا صالة عرض إلا وقد استخدمت فيها المرأة لتعمل عملها المغناطيسى في الرجال ( ) 0

(( وكان المجتمع المسكين المخذول لا يملك- حيال ذلك كله- إلا وسيلة واحدة للمحافظة على مصالحه0 وهى أن يستعين بتصوراته الخلقية على دفع تلك الغارات عن نفسه، ويتحفظ من استيلاء غريزة الشهوة عليه00 ولكن النظام الرأسمالى لم يكن من الضعف والهوان بحيث يمكن رد حملته بسهولة0 وإنما كان من ورائه فلسفة كاملة الأداة، وعسكر شيطانى عرمرم، من العلوم والآداب، كانا لا يزالان يعملان عملهما في نسخ النظريات الخلقية ومحوها من النفوس( ) 0

(( ومن براعة القاتل- والله- أن يحمل قتيله على الاستسلام للقتل بطيب خاطره ورضاه ) ) (ص 82- 87) 0

000 (( هذه حالة المرأة عندهم00 وأما الرجال فما تزيدهم كل هذه المظاهر الخلابة من الجمال النسوى إلا شوقًا وطموحًا ونهمة0 لأن نار الشهوة والعاطفة البهيمية المتأججة في الصدور، لا تخمد بكل منظر جديد من الخلاعة والسفور، بل تزداد لهيبًا، وتتطب منظرًا آخر أكثر منه سفورًا وحسورًا وتكشفًا0 ومثلهم في ذلك كمثل من تصيبه لفحة من السموم، فيكاد لا يسكن ظمؤه0 كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا وظمأ0 فهم دائم في إعداد أدوات، وتهيئة أسباب وظروف لإطفاء أوار شهوتهم المبرح بهم، ولا يهدأ لهم دون ذلك بال، ولا هم يستقر لهم قرار0 وما هذه الصور العارية، وهذا الأدب المكشوف وهذه القصص الغرامية وهذه المراقص والمباذل، والمسرحيات المشحونة بالانفعالات والنزعات العارمة00 ما هذه كلها إلا نماذج من جهودهم وحيلهم التى يتعاطونها لإخماد الشهوات الجامحة- ولكن في الحقيقة لاستثارتها والنفخ فيها- التى أججها هذا المجتمع الماجن، وتلك الحياة الاجتماعية الضالة، في صدر كل فرد من أفرادهم00 ولكنهم سموها بالفن(A صلى الله عليه وسلم t) لإخفاء هذا الضعف الكامن في نفوسهم وفى حياتهم0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت