فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 2255

إنه ليس بيتًا! فليس ثمة كوخ ينتظر الترحيب بهما أنشئ وسط الحشائش النضرة والأشجار الظليلة، ولا حديقة تنبت لهما الزهور والخضروات التى يشعران بأنها أبهى وأحلى لأنها من زرع أيديهما0 بل يجب أن يخفيا أنفسهما خجلًا كأنهما في زنزانة سجن، في حجرات ضيقة لا يمكن أن تستبقيهما فيها طويلًا، ولا يعنيان بتحسينها وتزيينها بما يعبر عن شخصيتيهما0 ليس هذا المسكن شيئًا روحيًا كالبيت الذى كان يتخذ مظهرًا ويكسب روحًاُ قبل ذلك بعشرين عامًا (الكتاب مكتوب سنة 1929) بل مجرد شئ مادى فيه من الجفاف والبرودة ما تجده في مارستان0 فهو يقوم وسط الضوضاء والحجارة والحديد حيث لا ينفذ إليه ربيع، لا ينبت لهما الصيف الزرع النضر بل سيلًا من المطر0 ولا يريان مع ورود الخريف قوس قزح في السماء أو أى ألوان على أوراق الشجر، بل المتاعب والذكريات الحزينة0

(( وتصاب المرأة بخيبة أمل0 فهى لا تجد في هذا البيت شيئًا يجعل جدرانه تحتمل في الليل والنهار، ولا تلبث إلا قليلًا حتى تهجره في كل مناسبة ولا تعود إليه إلا قبل مطلع الفجر0 ويخيب أمل الرجل، فهو لا يستطيع أن يتجول في أنحاء هذا البيت، يعزى شعوره ببنائه وإصلاحه ما تصاب به أصابعه من دق المطارق0 ويكتشف بعد قليل أن هذه الحجرات تشبه تمام الشبه تلك التى كان يعيش فيها وهو أعزب، وأن علاقته مع زوجته تشبه شبهًا عاديًا تلك العلاقات غير البريئة التى كان يعقدها مع المستهترات من النساء0 فلا جديد في هذا البيت، وليس فيه ما ينمو، ولا يمزق سكون الليل صوت الرضيع، ولا يملأ مرح الأطفال النهار بهجة، ولا أذرع بضة تستقبل الزوج عند عودته من العمل وتخفف وطأته0 إذ أين يمكن ان يلعب الطفل؟ وكيف يمكن للزوجين تخصيص حجرة أخرى للأطفال وتوفير العناية بهم وتعليمهم سنين طويلة في المدينة؟ والفطنة فيما يظنان أفضل جوانب الحب00 فيعتزمان منع النسل000 إلى أن يقع بينهما الطلاق!

(( ولما كان زوجهما ليس زواجًا بالمعنى الصحيح- لأنه صلة جنسية لا رباط أبوة- فإن يفسد لفقدانه الأساس الذى يقوم عليه، ومقومات الحياة0 يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع0 وينكمش الزوجان في نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان0 وتنتهى الغيرة الموجودة في الحب إلى فردية يبعثها ضغط حياة المساخر0 وتعود إلى الرجل رغبته الطبيعية في التنويع، حين تؤدى الألفة إلى الاستخفاف0 فليس عند المرأة جديد تبذله أكثر مما بذلته) 000 (ص 223- 225) 0

(( ولندع غيرنا مكن الذين يعرفون يخبرونا عن نتائج تجاربنا0 أكبر الظن أنها لن تكون شيئًا نرغب فيه أو نريده0 فنحن غارقون في تيار من التغيير، سيحملنا بلا ريب إلى نهايات محتومة لا حيلة لنا في اختيارها0 وأى شئ قد يحدث مع هذا الفيضان الجارف من العادات والتقاليد والنظم، فالآن وقد أخذ البيت في مدننا الكبرى في الاختفاء، فقد فقد الزواج القاصر على واحدة جاذبيته الهامة0 ولا ريب أن زواج المتعة سيظفر بتأييد أكثر فأكثر حيث لا يكون النسل مقصودًا0 وسيزداد الزواج الحر، مباحًا كان أم غير مباح0 ومع أن حريتهما إلى جانب الرجل أميل، فسوف تعتبر المرأة هذا الزواج أقل شرًا من عزلة عقيمة تقضيها في أيام لا يغازلها أحد0 سينهار (( المستوى المزدوج ) )وستحث المرأة الرجل بعد تقليده في كل شئ على التجربة قبل الزواج0 سينمو الطلاق، وتزدحم المدن بضحايا الزيجات المحطمة0 ثم يصاغ نظام الزواج بأسره في صور جديدة أكثر سماحة0 وعندما يتم تصنيع المرأة، ويصبح ضبط الحمل سرًا شائعًا في كل طبقة، يضحى الحمل أمرًا عارضًا في حياة المرأة، أو تحل نظم الدولة الخاصة بتربية الأطفال محل عناية البيت00 وهذا كل شئ! ( ) ) )00 (ص235- 236) 0

والآن نسمع شهادة الأستاذ أبى الأعلى المودودى في بعض جوانب هذه الحضارة، وما أنشأته من آثار تنطوى على تهديد مدمر للحياة الإنسانية ذاتها فضلًا على الخصائص الإنسانية:

... من كتاب (( الحجاب ) ):

(( إن أساطين الفلسفة والأدب وأقطاب العلوم الطبيعية الذى رفعوا لواء الإصلاح في القرن الثامن عشر، كانوا- كما سبق لنا الإشارة إليه- يجابهون نظامًا للتمدن فيه أنواع من القيود والسدود، وفيه صلابة من غير مرونة، وعسر من غير يسر، طافحًا بالتقاليد التى لا يقبلها الطبع والضوابط الجامدة، والطرق المناقضة للفطرة والعقل0 وزاد طينه بلة انحطاط القوم المتواصل على طول القرون فجعله عقبة كأداء في كل طريق للرقى0 فبجانب كانت النهضة العلمية والعقلية الجديدة تبعث في نفوس الطبقة المتوسطة أشد الميل إلى التقدم والنبوغ بالعمل والاجتهاد الذاتى0 وبجانب آخر كانت على رءوسهم طبقة الأمراء والزعماء الدينيين تبالغ في شدهم بالأغلال التقليدية0 فمن الكنيسة إلى الجندية والقضاء، ومن قصور الإمارة إلى المزارع ودور التجارة00 كل شعبة من شعب الحياة، وكل مؤسسة للتنظيمات الاجتماعية، كانت تجرى على نظام يتيح لبعض الطبقات المخصوصة بحجة امتيازاتها القديمة وحقوقها المتوارثة، أن تعسف وتجور على من لا ينتمى إليها من العاملين الناهضين، فتذهب بثمار أعمالهم، وتستأثر بنتاج مواهبهم وكفاءاتهم0 فكل محاولة يقوم بها القائمون لإصلاح تلك الحال كانت تخيب وتفشل، بإزاء أثرة الطبقات المسيطرة وجهالتها00

(( لهذه الأسباب كلها غدت الطبقات الناشدة للإصلاح تثور في نفوسهم مع الأيام ثائرة الانقلاب الجامحة، حتى غلبت عليهم وعمتهم، آخر الأمر، نزعات البغى والثورة على هذا النظام الاجتماعى بجميع شعبه وأجزائه00 وراج بين الناس نظرية متطرفة في الحرية الشخصية، ترمى إلى إعطاء الفرد الحرية التامة، والإباحية المطلقة بإزاء المجتمع0 فأصبحوا ينادون بأنه يجب أن يكون للفرد الحق المطلق في عمل ما يشاء، والحرية الكاملة في ترك ما يشاء، وليس للمجتمع أن ينتزع منه الحرية الشخصية00 الخ ) ) (ص60- 61) 0

ومن غرائب الاتفاق أنه قد واتت هذا الانقلاب الفكرى- وهو في صدر شبابه- أسباب تمدنية أخرى0 ففى هذا العصر قامت الثورة الصناعية الشهيرة، وأعقبتها تغيرات هامة في الحياة الاقتصادية، كان من آثارها المترتبة على الحياة التمدنية ما هو عون على تحويل وجهة سير الاجتماع الحديث إلى حيث تريد الآداب الانقلابية أن تحولها0 وذلك أن تصور الحرية الشخصية، الذى نشأ عليه النظام الرأسمالى، جاءت الاختراعات الميكانيكية، وإمكانات وفرة الإنتاج الصناعى (Mass P صلى الله عليه وسلم oduction) تحكمه وتقويه0 فأقامت الطبقات الرأسمالية مؤسسات صناعية وتجارية إلى مدن عامرة، أصبح ينجر إليها من القرى والأرياف أضعاف الملايين من النفوس0 وغلت تكاليف الحياة غلاءً فاحشًا، وارتفعت أسعار الحاجيات للحياة، من المطعم والملبس والمسكن، إلى ما فوق طاقة العامة زد على ذلك أن أضيف إلى حاجات الحياة ما لا يحصى من وسائل المعيشة المتجددة لأسباب راجع بعضها إلى ارتقاء التمدن وبعضها إلى مساعى أهل الثروة0

(( ولكن النظام الرأسمالى لم يوزع الثروة بين الناس بما يكفل للجميع وسائل الحصول على تلك المتع واللذات، وأدوات الزينة والزخرفة التى أدخلها في لوازم الحياة0 بل هو لم يهيئ للعامة من وسائل المعاش ما يسدون به عوزهم بسهولة من حاجات الحياة الحقيقية- وهى السكنى والطعام واللباس- في تلك المدن التى قد زج بهم إليها00

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت