واختراع موانع الحمل وذيوعها هو السبب المباشر في تغير أخلاقنا0 فقد كان القانون الأخلاقى قديمًا يقيد الصلة الجنسية بالزواج، لأن النكاح كان يؤدى إلى الأبوة بحيث لا يمكن الفصل بينهما، ولم يكن الوالد مسئولًا عن ولده إلا بطريق الزواج0 أما اليوم فقد انحلت الرابطة بين الصلة الجنسية وبين التناسل، وخلقت موقفًا لم يكن آباؤنا يتوقعونه، لأن جميع العلاقات بين الرجال والنساء آخذة في التغير نتيجة هذا العامل0 ويجب على القانون الأخلاقى في المستقبل أن يدخل في حسابه هذه التسهيلات الجديدة التى جاءت بها الاختراعات لتحقيق الرغبات المتأصلة! )) 000 (ص125 ج 1) 0
(( فحياة المدينة تفضى إلى كل مثبط عن الزواج، في الوقت الذى تقدم فيه إلى الناس كل باعث على الصلة الجنسية وكل سبيل يسهل أداءها0 ولكن النمو الجنسى يتم مبكرًا عما كان من قبل، كما يتأخر النمو الاقتصادى0 فإذا كان قمع الرغبة شيئًا عمليًا ومعقولًا في ظل النظام الاقتصادى الزراعى، فإنه الآن يبدو أمرًا عسيرًا وغير طبيعى في حضارة صناعية أجلت الزواج حتى بالنسبة للرجال حتى لقد يصل إلى سن الثلاثين0 ولا مفرد من أن يأخذ الجسم في الثورة، وأن تضعف القوة على ضبط النفس عما كان في الزمن القديم، وتصبح العفة التى كانت فضيلة موضوعًا للسخرية، ويختفى الحياء الذى كان يضفى على الجمال جمالًا، ويفاخر الرجال بتعداد خطاياهم، وتطالب النساء حقها في مغامرات غير محدودة على قدم المساواة من الرجال، ويصبح الاتصال قبل الزواج أمرًا مألوفًا، وتختفى البغايا من الشوارع بمنافسة الهاويات لا برقابة البوليس0 لقد تمزقت أوصال القانون الأخلاقى الزراعى، ولم يعد العالم المدنى يحكم به( ) ))000 (ص126- 127) 0
(( ولسنا ندرى مقدار الشر الاجتماعى الذى يمكن أن نجعل تأخير الزواج مسئولًا عنه0 ولا في أن بعض هذا الشر يرجع إلى ما فينا من رغبة في التعدد لم تهذب، لأن الطبيعة لا تهيئنا للاقتصار على زوجة واحدة0 ويرجع بعضها إلى ولاء المتزوجين الذين يؤثرون شراء متعة جنسية جديدة على الملل الذى يحسونه في حصار قلعة مستسلمة0 ولكن معظم هذا لشر يرجع في أكبر الظن في عصرنا الحاضر إلى التأجيل غير الطبيعى للحياة الزوجية0 وما يحدث من إباحة بعد الزواج فهو في الغالب ثمرة التعود قبله0 وقد نحاول فهم العلل الحيوية والاجتماعية في هذه الصناعة المزدهرة، وقد نتجاوز عنها باعتبار أنها أمر لا مفر منه في عالم خلقه الإنسان( ) 0 وهذا هو الرأى الشائع لمعظم المفكرين في الوقت الحاضر0 غير أنه من المخجل أن نرضى في سرور عن صورة نصف مليون فتاة أمريكية يقدمن أنفسهن ضحايا على مذبح الإباحية، وهى تعرض علينا في المسارح وكتب الأدب المكشوف، تلك التى تحاول كسب المال باستثارة الرغبة الجنسية في الرجال والنساء المحرومين، وهم في حمى الزواج ورعايته للصحة0
(( ولا يقل الجانب الآخر من الصورة كآبة0 لأن كل رجل حين يؤجل الزواج يصاحب فتيات الشوارع ممن يتسكعن في ابتذال ظاهر0 ويجد الرجل لإرضاء غرائزه الخاصة في هذه الفترة من التأجيل نظامًا دوليًا مجهزًا بأحدث التحسينات، ومنظمًا بأسمى ضروب الإدارة العلمية0 ويبدو أن العالم قد ابتدع كل طريقة يمكن تصورها لإثارة الرغبات وإشباعها ) )000
ص (117- ص 118) 0
(( وأكبر الظن أن هذا التجدد في الإقبال على اللذة، قد تعاون أكثر مما نظن مع هجوم داروين على المعتقدات الدينية0 وحين اكتشف الشبان والفتيات- وقد اكسبهم المال جرأة- أن الدين يشهر بملاذهم التمسوا في العلم ألف سبب وسبب للتشهير بالدين0 وأدى التزمت في حجب الحياة الجنسية والزهد فيها إلى رد فعل في الأدب وعلم النفس صور الجنس مرادفًا للحياة0 وقد كان علماء اللاهوت قديمًا يتجادلون في مسألة لمس يد الفتاة أيكون ذنبًا؟ أما الآن فلنا أن ندهش ونقول: أليس من الإجرام أن نرى تلك اليد ولا نقبلها؟ لقد فقد الناس الإيمان وأخذوا يتوجهون نحو الفرار من الحذر القديم إلى التجربة الطائشة ) )000 (ص 134) 0
(( وكانت الحرب العظمى الأولى آخر عامل في ظل هذا التغيير0 ذلك أن تلك الحرب قوضت تقاليد التعاون والسلام المتكونين في ظل الصناعة والتجارة، وعودت الجنود الوحشية والإباحية0 حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عاد آلاف منهم إلى بلادهم فكانوا بؤرة للفساد الخلقى0 وأدت تلك الحرب إلى رخص قيمة الحياة بكثرة ما أطاحت من رءوس، ومهدت إلى ظهور العصابات والجرائم القائمة على الاضطرابات النفسية، وحطمت الإيمان بالعناية الإلهية، وانتزعت من الضمير سند العقيدة الدينية( ) 0 وبعد انتهاء معركة الخير والشر بما فيها من مثالية ووحدة، ظهر جيل مخدوع وألقى بنفسه في أحضان الاستهتار والفردية والانحلال الخلقى0 وأصبحت الحكومات في واد والشعب في واد آخر، واستأنفت الطبقات الصراع فيما بينها، واستهدفت الصناعات الربح، بصرف النظر عن الصالح العام، ةتجنب الرجال الزواج خشية مسئوليته، وانتهى الأمر بالنساء إلى عبودية خاملة، أو إلى طفليات فاسدة، ورأى الشباب نفسه وقد منح حريات جديدة تحميه الاختراعات من نتائج المغامرات النسائية في الماضى ( ) وتحوطه من كل جانب ملايين المؤثرات الجنسية في الفن والحياة ))00
(ص 135- 136) 0
(( لما كان اليوم هو عصر الآلة، فلا بد أن يتغير كل شئ0 فقد قل أمن الفرد في الوقت الذى نما فبه الآمن الاجتماعى0 وإذا كانت الحياة الجسمانية أعظم أمنًا مما كانت، فالحياة الاقتصادية مثقلة بألف مشكلة معقدة، مما يجعل الخطر جاثمًا كل لحظة0 أما الشباب الذى أصبح أكثر إقدامًا وأشد غرورًا من قبل، فهو عاجز ماديًا، وجاهل اقتصاديًا إلى حد لم يسبق له مثيل0 ويقبل الحب فلا يجرؤ الشباب على الزواج وجيوبه صفر من المال0 ثم يطرق الحب مرة أخرى وباب القلق أكثر ضعفًا(وقد مرت السنوات) ومع ذلك لم تمتلئ الجيوب بما يكفى للزواج0 ثم يقبل الحب مرة أخرى أضعف حيوية وقوة عما كان من قبل (وقد مرت السنوات) فبجد الجيوب عامرة، فيحتفل الزواج بموت الحب0
(( حتى إذا سئمت فتاة المدنية الانتظار اندفعت بما لم يسبق له مثيل في تيار المغامرات الواهية0 فهى واقعة تحت تأثير إغراء مخيف من الغزل والتسلية وهدايا من الجوارب وحفلات من الشمبانيا في نظير الاستمتاع بالمباهج الجنسية0 وقد ترجع حرية سلوكها في بعض الأحيان إلى انعكاس حريتها الاقتصادية0 فلم تعد تعتمد على الرجل في معاشها، وقد لا يقبل الرجل على الزواج من برعت مثله في فنون الحب0 فقدرتها على كسب دخل حسن هو الذى يجعل الزوج منتظرًا مترددًا، إذ كيف يمكن أن يكفى أجره المتواضع للإنفاق عليهما معًا في مستواهما الحاضر من المعيشة؟
(( وأخيرًا تجد الرفيق الذى يطلب يدها للزواج، ويعقد عليها لا في كنيسة0 لأنهما من أحرار الفكر الذين ألحدوا عن الدين، ولم يعد القانون الخلقى الذى ظل جاثمًا على إيمانهما المهجور أثر في قلبيهما0 إنهما يتزوجان في قبو المكتب البلدى(الذى يفوح منه عبير الساسة) ويستمعان إلى تعاويذ العمدة0 إنهما لا يرتبطان بكلمة الشرف، بل بعقد من المصلحة، لهما الحرية في أى وقت في التحلل منه0 فلا مراسيم مهيبة، ولا خطبة عظيمة، ولا موسيقى رائعة، ولا عمق ولا نشوة في الانفعال تحيل ألفاظ وعودهم إلى ذكريات لا تمحى من صفحة الذهن0 ثم يقبل أحدهما صاحبه ضاحكًا ويتوجهان إلى البيت في صخب0