إن الوعي المعرفي في منظور الإسلام كفل للتعددية العرقية والعقدية حقوقها كاملة تحت مظلة العدالة القانونية سواء كان مسلما أم كان غير مسلم لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ' مع تركهم وما يعتقدون غير مقهورين ولا مستضعفين ' والعدالة الاجتماعية التي تعني أن يتساوى الناس في تهيئة الفرص ' فيتوافر التعليم المثمر لكل الناس حتى تظهر القوى ويوسد إلى كل إنسان ما يصلح له من عمل ' ووضع كل إنسان في العمل المناسب ' هو التنظيم الجماعي السليم الذي تتوافر فيه إنتاج كل القوى من غير أن تهمل أو تعمل فيها دون طاقتها أو فوق طاقتها فيفسد الأمر. ولقد طبق ذلك على أكمل وجه في أول دستور إسلامي (دستور المدينة) بين المهاجرين والانصار ' وبين المؤمنين واليهود باعتبارهم شركاء الإنسانية لهم حقوق كاملة في المواطنة ' فترك النبي صلى الله عليه وسلم اليهود لمعتقداتهم وشعائرهم' وتشريعاتهم' حرية تتقيد باحترام الغير' ولم يخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلا بعد أن أخلوا بواجبات المواطنة ونقضوا المواثيق والعهود التي أبرموها مع النبي صلى الله عليه وسلم فبنو قينيقاع أظهروا التمرد على أعقاب غزوة أحد' وبنو النضير أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم وبنو قريظة نقضوا عهدهم على تداعيات التجمعات الحزبية.
الطرح الإسلامي والتعددية في السودان:
وبالنسبة للواقع السوداني فإن حجم التعددية فيه تجوب كافة أرجائه' تعددية في المعتقد' وتعددية عرقية' وتعددية في طبقات الفقر والغني'.. هذه التعددية التي تدل على واقع التخلف وضيق الأفق وعدم الاعتراف بالآخر. لقد استغلها الاستعمار البريطاني ولم يخرج إلا وقد بذر فتنة العرقية' وفرض عليها غطًاء تنصيريا عقديا' تربى بمرور الزمن فأفرز حربا تعتبر من أطول الحروب في العصر الحديث. وهذه الحرب وقفت عقبة كؤودًا أمام كل أطروحة تنموية.
وبما أن الطرح القائم على الساحة السودانية طرح إسلامي في مجتمع متعدد الثقافات والأعراق والديانات' فإن هذا الطرح يمر بفترة مصيرية' إن هذا المشروع سيدخل في مبدأ التحدي إما أن يكون أو لا يكون' فالحروب والنزاعات التي نشأت في أطرافه الجنوبية والشرقية-البجه-والغربية أخيرا-دارفور-فضلا عن جبال النوبة' والنيل الأزرق' إن هذه التكتلات مختلفة في أعراقها معظمها لا يربط بعضها بعضا إلا الإسلام أو الوطن ' فإن كان العرب في الجاهلية وهم قومية واحدة شهدت أعنف الحروب لأتفه الأسباب - ناقة داحس والغبراء - فإن من نعم الله تعالى علينا أن تستظل هذه التعددية تحت مظلة الإسلام . إن تصور المشكل والتحدي الذي يطوق المشروع الإسلامي ويعمل على هدمه إن لم نأخذ بأسبابه فإن العاقبة ستكون للجاهلية الحديثة التي تؤدي لتقسيم هذا البلد - الذي يقاتل لتثبيت شرع الله - لدويلات على أساس العرق والطائفية . ومن ثم يفقد المسلمون أعظم جسر ربط بين العمق الإسلامي في مهده وبين العمق الأفريقي الذي يعتبر أخصب مرتع للدعوة الإسلامية ' إن مظلة الإسلام تفرض علينا رعية البشرية غير المسلمة باعتبارها تائهه من غير دليل ولا سلطان قال تعالى:"وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ" (التوبة:6) . إن الوصول لرأس الهرم في سدة الحكم يعني نهاية المطاف إن لم يؤخذ بالأسباب التي أوصلت لهذا الرأس ' قال تعالى"وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ" (إبراهيم:45) . مفهوم الآية وعبرتها تشير إلي أننا إن لم نتمسك بمنهجية الله تعالى سيكون مصيرنا مصير الذين ظلموا أنفسهم.
الطريق للتمكين في ظل التعددية:
فالهجرة للمدينة كانت بقصد التمكين لدين الله تعالى ' لذلك عالج النبي
صلى الله عليه وسلم التعددية بحكمة بالغة فكانت التضحيات أن يقتل ابن الجراح والده من أجل الإسلام ' وأن يقول عبد الله ابن عبد الله بن أبي سلول التي لم تشهد المدينة أحدا أبر بوالديه منه.
إن كنت تريد أن تقتله يا رسول الله فأنا أقتله لك ' وتجلى وجه السماحة في حذيفة بن اليمان عندما قتل المسلمون أباه خطأ وهو ينادي أبي ' ثم قال غفر الله لهم ' أي منهج غير الإسلام يستطيع أن يوحد تعددية شرسة ومتناقضة حتى مع ذاتها . وما أشبه الليلة بالبارحة ' إن أرض السودان هيأها الله تعالى لقيام دولة إسلامية عصرية متوازنة ذات منهج رباني ' بالتالي فإن هذه الفرصة في سبيل إنجاحها باعتبارها مسؤولية منوط بها الحاكم والمحكوم ' مسؤولية متخذة من بني إسرائيل عبرة لما كتب الله عليهم العمل بالكتاب بعد أن هيأ لهم أسباب النجاح ببعث موسى عليه السلام فرفضوا ذلك العرض متعذرين بأعذار الضعف والهوان بقولهم: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ) (المائدة: من الآية22) . عندها كان لا بد أن تتغير السنن الإلهية فكتب الله عليهم التيه في الأرض أربعين سنة من غير هاد ولا دليل. إن الوصول لسدة الحكم تعني ذلك القول الذي نادى به موسى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (لأعراف:128) . فجاء ردهم واهنا ضعيفا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا: (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) (لأعراف: من الآية129) . فكانت القاعدة العظيمة في بيان التكليف الإلهي ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (لأعراف: من الآية129) . إن المجتمع السوداني يعتبر مجتمع متعدد الأعراق ' والثقافات ' والعقائد ' .. وهو يمر بمرحلة مخاض تعتبر من أميز الفترات العصيبة ' حيث كثرة التحديات الداخلية - عرقية ' دينية ' سياسية ' تداعيات السلام [22] وإمكانية الرجوع للحرب'.. المدعومة بقوى خارجية هائلة ذات منطلق عقدي يحتاج من المواعين المعرفية التي تعتمد أساسا على أساسيات أبرزها.