لقد امتثلت التقوى الجماعية التي تعتمد على الوصايا المتمثلة في التجريد والتحضر الاجتماعي ، والتي بدونها تسقط كل المجتمعات الإنسانية بغض النظر عن تطورها التكنولوجي وإمكاناتها العلمية والمادية ، لقد أسهمت هذه التقوى الجماعية المصحوبة بالمعرفة في خلق جيل كان ركنا أساسا في تثبيت دعائم المشروع الإسلامي في أيام محنته ، لقد قدمت الجامعات أكبر تضحيات لحماية المشروع الإسلامي ، كان لسان حال الغيورين ينطق بقول أنس بن النضر بعد أن تحسر لغيابه عن غزوة بدر التي جاءت من غير ميعاد: يا رسول الله لقد غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن والله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع ، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء،يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ ، فقال ياسعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد ، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس [18] : فوجدنا به بضعا وثمانين حصول بالسيف ، أو طعنة برمح ، أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه . قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه:"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ" [19] (الأحزاب: من الآية23) .
إن العزف على وتر الانجازات لا يحسن معوجًا وإن البحث عن السلبيات لا يقلل من قيمة العمل الإسلامي ، فالمعرفة الفاعلة التي ينشدها الإسلام ما زالت بعيدة كل البعد عن حيثيات الواقع فهي تحتاج لدراسة فاحصة في إعادة التقويم القائم على الحسبة والمحاسبة ، إننا بحاجة لزيادة مواعين التعليم العالي والعام حتى يستوعب كافة الأفراد ، وبحاجة لقيام ورش عملية أمام كل مؤسسة جامعية ليتحقق منهج علمي عملي ، وبحاجة لإفراد جامعات متخصصة بشكل أدق بأن تكون هنالك جامعة للهندسة وجامعة للطب وجامعة للحديث وجامعة للفقه كما هنالك جامعة للقرآن ، ومن ثم تشجيع البحث العلمي بإنشاء مراكز للبحوث ذات تطور متواكب وحاجيات العصر وبهذه الكيفية سنجد أن تبعات المعرفة تتطور بشكل انسيابي.
الوعي المعرفي وأثره في التعددية:
التعددية كمظهر من مظاهر الحياة تعني الاختلاف في وجه من وجوه الحياة العامة إما في الجوهر (أي المعتقد) وإما في المظهر (اللون ، والجنس، واللسان…) وعلى هذه التعددية نشأت التحزبات، والصراعات، والمحالفات، والتكتلات قال تعالى:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود:118) .
ولعل الساحة الدولية وما تشهده من حروب وصراعات باردة أو تحالفات أو تكتلات لا ينفك عن التعددية السالفة الذكر .
إن الوعي المعرفي وما تبعه من تقدم تكنولوجي واقتصادي واجتماعي وسياسي، كان له أثر على التعددية السالفة الذكر ، فأصبحت قضايا حقوق الانسان ، والحريات والعدالة الاجتماعية .. الخ لها هيئات تشريعية تدافع عنها فسنت قوانين حقوق الانسان ، ومحاربة العنصرية ،… وأقيمت المحاكم العالمية للبت في القضايا المتعلقة بالحقوق . وبذلك انكشف الغطاء ـ بفضل التكنولوجيا العالمية ـ عن تخلف معرفي في تشكيلة الدول النامية التي تمثل الوعاء المكاني للدولة المسلمة مما انعكس سلبا على انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان في المواطنة والممارسة .
الوعي المعرفي والتعددية في المنظور الغربي:
وبالعودة للتطور المعرفي الواعي الذي نشأ في الغرب التكنولوجي وصحب معه هذه المفاهيم المستوعبة لظاهرة التعددية ، فإن مفهوم التعددية كظاهرة تدعو للمعايشة والتفاعل لدفع عجلة التطور استخدم الغرب فيها معايير مزدوجة [20] ، وجعلها غطاء شكليًا خاويًا من روح الانسانية ، بل تذرع الغرب بها احيانا كورقة ضاغطة يمرر من خلالها المشروع الاستعماري الحديث الذي أقام قانونه على مبدأ الجاهلية البغيضة تحت شعار إذا سرق القوي تركوه ، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد ، فأصبح السودان وإيران وسوريا ، دولًا راعية للارهاب ، وإسرائيل لها الحق المشروع في قتل الفلسطنيين من قبيل الدفاع عن النفس…
الوعي المعرفي والتعددية في المنظور الاسلامي: بينما جاءت حيثيات الطرح الاسلامي من خلال ظاهرة التعددية طرحًا معرفيًا واعيًا امتثل العدالة رمزًا له واعتبرها ميزان الاجتماع في الاسلام ، قال تعالى:"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل:90) . وهي أجمع آية لمعاني القرآن ، والله تعالى يعتبر العدالة بين الناس أقرب القربات إليه قال تعالى:"وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" (المائدة: من الآية8) . وهي عدالة تتفرع من شعبتين الأولى:عدالة نفسية مبنية على محاسب النفس والضمير وهي التي تقوي بناء الجماعة وتنفذ الدين من غير قهر او تسلط ولكي تتحقق فقد جعل لها الاسلام حوافز:"أحب لأخيك ما تحب لنفسك""عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به". والشعبة الثانية: عدالة تنظمها الدولة ولا يضمن تنفيذها بشكل كامل إلا إذا كانت العدالة النفسية مستقيمة عند الحكام والمحكوم ، كان عمر بن الخطاب إذا سن نظامًا ودعا الناس إليه دعا آل الخطاب وقال لهم:"لقد عزمت على الناس أمرا والله لا أرى له مخالفا من آل الخطاب إلا ضاعفت عليه العقاب"وهذه العدالة ثلاثة اقسام عدالة قانونية ، وعدالة اجتماعية ، وعدالة دولية . جاء في الحديث النبوي الشريف:"ان يهوديا كان يقال له جريجرة كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير فتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا زفر ما عندي ما أعطيك قال فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني فقال صلى الله عليه وسلم إذًا أجلس معك … فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهددونه ويتوعدونه ففطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الذي تصنعون به؟ فقالوا يا رسول الله زفر يحبسك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم منعني ربي أن أظلم معاهدا ولا غيره ، فلما ترحل النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدًا عبده ورسوله وقال: شطر مالي في سبيل الله أما والله ما فعلت الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش .. أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله هذا مالي فاحكم فيه بما أراك الله وكان اليهودي كثير المال [21] ."