فهرس الكتاب

الصفحة 1965 من 2255

أ. من حيث وسائل اكتساب المعرفة هنالك ازدواجية وتكامل بين العقل والحس وهو يمثل الأسس التي تقوم عليها المعارف الانسانية . وازدواجية بين العقل والنقل الذي لا تكتمل معرفته بدون هذا الازدواج .

ب. من حيث ميدان البحث ومجال العمل هنالك ازدواجية وتكامل بين الغيب والشهادة ، وتمثل المعرفة في هذا الجانب انطلاقة مستمرة من عالم الغيب الي عالم الشهادة .

ج. من حيث إعمال المعارف هنا يقصد به البحث عن خصائص الأشياء والأسباب الظاهرة التي تعكس فعل الله تعالى غير المنظور ، أي القوانين والسنن التي أودعها الله تعالى في الخلق لترشد العباد للخالق وبها سخرت الأشياء للانسان كان يعرف أن الماء يتكون من عنصرين بنسب محددة متى اندمجا معًا كان الناتج ماء ، مع كمال الشروط وانتفاء الموانع وهو ما يدفع القرآن إليه .

د. ومن حيث الغاية هنالك ازدواجية وتكامل بين العلم والعمل ، العمل هو الغرض وإلا فلا فائدة من علم لا يفضي لعمل ولقد تعوذ منه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ابن خلدون: فلا يتم فعل الانسان في الخارج إلا بالفكر …، فهذا الفكر هو الخاصة البشرية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان ، وعلى قدر حصول الأسباب والمسببات في الفكر مرتبة تكون إنسانيته" [15] ورأى الراغب الأصفهاني أن العلم والعمل هما جناحا العبادة"العبادة ضربان علم وعمل ، وحقهما ان يتلازما ، لأن العلم كالأس والعمل كالبناء وكما لا يغنى أس مالم يكن بناء ، ولا يثبت البناء ما لم يكن أس ، كذلك لا يغني علم بغير عمل ولا عمل بغير علم" [16] ."

ونتج عن ذلك العلم والأخلاق معرفة منضبطة من حيث أنها محددة المنطلقات لا تتعداها فلا تتعرض للثوابت في النظام الكوني للاختبار بدعوى الحصول على نتائج علمية كامتهان كرامة الانسان من أجل العلم بإجراء تجارب علمية مهلكة فيه أو التضحية بحياته من أجل ذلك . ومن حيث النتاج لا تتعرض للنظام الكوني بأسره للخطر بسبب العلم والمعرفة ولو ملك الانسان القدرة ووسائل الابادة الكامنة .

وبهذا فإن المصادر المعرفية لها دوران دور إلهي وهو واهب المعارف وموجدها، ودور بشرى مكتسب ومتفرع عن الدور الإلهي ، ومحاولة تحديد العلاقة بينهما ، كما أشار إليه الغزالي بقوله: إن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى فإنه فرد لا مقابل له بل هو الواحد الحق الخالق للازدواج كله"، وعليه فإن المعرفة الانسانية نسبية كما وكيفا وذلك بقوله تعالى:"وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" (الاسراء:85) ."

معيار المعرفة:

المعيار هو الضابط العلمي الذي يرشد الانسان إلي تحقيق اليقين في سبل طلبه للمعرفة ، وبه يتمكن من تمييز الحقيقة عن الوهم ، والمعيار في التصور القرآني قد يستفاد من الأمر والنهي كما يستفاد من الخبر ، فهو إما معيار نقلي ، وإما معيار عقلي قائم على المقدمات اليقينية كالمحسوسات والمجربات .

وهذه هي الأصول التي تبنى عليها المعرفة المكتسبة ، وبالنظر إليها يصبح المقصود بالمعيار هنا الدليل المرشد إلى العلم ، بمعنى الأساس الذي يكون منه الإنطلاق لإكتساب المعرفة اليقينية . ثم هنالك مجال النظر والاستنباط وهما إما في كتاب الله المنزل ، وإما في كتاب الله المشهود (الأنفس والآفاق) .

فاختلاف المواقف والجزم بالآراء ظهر من اختلاف أدوات المعرفة واستخداماتها ، وبما أن الوحي هو صانع التطور المعرفي ، فإذًا المعرفة تطلق على المنهج والأداة والنظام .

لذا ما زال مجال البحث في آيات الله في الكون المعنية بالدرجة الأولى بأساسيات التمكين الإلهي للمسلمين بعيدة كل البعد عن المنهج التطبيقي مما أدى إلى نتيجة ذلك التخلف الذي تعاني منه .

أثر الوعي المعرفي على بنيات الدولة:

بعد التأطير لمدخلات المعرفة ، ومفاهيمها ، المعيارية ، وخصائصها ،… ارتأيت عكس ذلك المفهوم المعرفي الواعي على بنيات الدولة الاقتصادية والاجتماعية ، والسياسية ، ... الخ ، بعرض أطروحة الأنموذج السوداني باعتباره واحدا من الدول التي شهدت الساحة المعرفية على أرضها تغييرا ملحوظا جديد بالذكر والمدارسة والتقويم .

وقبل الولوج في حيثيات المقطع الحالي يستحسن البدء بمداخلة السيدة فكتوريا كيرزون التي تقول".. في زمن قديم كانت السلطة في يد من له سلطة البنادق غير"

أنه اليوم اعتقد أن الكل يمكن له أن يحصل على بندقية حتى أنا ، البندقية يمكن أن تقتل غير أن هذا ليس غاية في حد ذاته ، وهذا النوع من السلطة ليس سلطة اساسية ، السلطة اليوم هي المعارف ، والسيدات يمكن ان يحاربن بنفس الأسلحة إن معركة المعرفة معركة مجدية وهامة ومعركة ذكية ومثرية مقارنة مع معارك السلاح … وينبغي أن نناقش كيف يمكن أن نتقدم خطوة للأمام وأن نتقاسم هذه المعرفة" [17] ."

إن الوعي المعرفي كما مر سالفا هو محور التطور التكنولوجي ، والعلمي ،والاقتصادي ، والاجتماعي ،… وبالتالي يصبح الوعي المعرفي هو الجانب الموضعي للدولة وتصبح للمعرفة علاقة جوهرية ببنية الدولة منهجا وممارسة.

هذا الوعي المعرفي ذو القواعد والمنهجية والضوابط ' التي تضمن له الديمومة والتطور ' في واقع الأمر هو رحلة بعيدة الشقة من عالم الجهل إلي عالم المعرفة قد تقطعها أجيال بعد أجيال وليكن فهذه رسالة آدم وبنيه على ظهر الأرض… ومن العجب أن الأمة الإسلامية ما زالت تحيا تحت الثرى ولا تدري ما فيه ولا ما تحته فهي في طفولة عقلية تحتاج معها للمرضع والكافل…- لقد أصبح ينظر لتكتلات الدول الإسلامية ومنظماتها بأنه تجمع الأصفار-… مع أنها أوتيت أسباب التمكين، لقد مر ذو القرنين على قوم يغار عليهم ولا يغيرون وينال منهم ولاينالون"حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهماقوما لا يكادون يفقهون قولا"سورة الكهف93.ماذا يطلب هؤلاء العجزة؟ يطلبون من يحميهم من عدوهم' ويبني لهم حصونًا يأمنون خلفها على أنفسهم لأنهم لا يستطعون تشييد هذه الحصون!!! إن علمهم بالحياة ضحل' وحظهم من التمكين قليل. وقد يظهر هذا الضعف المخزي في بعض الأجيال التي تعمر الأرض' فيكون من عمل الأنبياء أن يعرفوا الناس كيف يحمون أنفسهم وكيف يحمون عقائدهم وشعائرهم':"ولقد علمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون"سورة الأنبياء80.

إن معرفة الحياة صنعة إنسانية عامة والتمكين في الأرض حق لبني آدم كلهم أما الجهل والعجز فعلل تعتري الآدمية' وما يكون الإنسان إنسانًا إذا توقف عقله عن الفكر' وأشبهت حواسه وجوارحه حواس الدواب وجوارحها في أكل ما تيسر' والعيش في نطاق غرائز بدائية تنطق بها الكلاب والذئاب..

إن الأخذ بأسباب المعرفة الكونية ضرورة لها مدلولات محورية منها:

• أنها دالة على عظمة الله تعالى وقد أشارت بعض الآيات إلى عظمة الله تعالى المبثوثة في مادة الكون ونظامه:"والسماء ذات الحبك"سورة الذاريات30-31.. إن فقه الحياة والكون فريضة أسبق من فرائض صنعها أصحاب الثقافات المغشوشة' والسياسات الفضفاضة'….

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت