فهرس الكتاب

الصفحة 1964 من 2255

أما مفهوم الدولة: فهي أداة للتعبير عن واقع يعيشه شعب ما ـ يحتوي على قوميات وأمم ، أو قومية واحدة وأمة واحدة أو قومية واحدة وأمم متعددة ، أو قوميات متعددة وأمة واحدة ـ من خلال مؤسسات . وتعتبر الدولة قمة الوعي المعرفي ، والأخلاقي ، والاجتماعي ، والسياسي السائد في المجتمع .

لذا فالدولة تمثيل للعلاقات المعرفية والاجتماعية والاقتصادية ، فإن كانت هذه العلاقات متخلفة كانت الدولة متخلفة ، وإن كانت متقدمة فالدولة متقدمة ، وهذه العلاقات هي العاملة في تشكيل الدولة لذا فإن هنالك عوامل تأثير وتأثر بين المؤسسات والمجتمع ، فكلما كان تأثير البنية التحتية للمجتمع على البنية الفوقية كبيرا كانت الدولة أكثر حرية وعدلا ورفاهية ، وكلما كان تأثير البنية الفوقية على البنية التحتية أكبر كانت الدولة أكثر ديكتاتورية وتسلطا [10] إذًا فإن مفهوم الدولة الحضارية هو مفهوم ضارب في العمق التاريخي والحاضر والمستقبل، فالحضارة تعني المدنية ، والتنظيم ، والتقدم … وهذه لا تتأتى إلا بتفعيل العدالة الاجتماعية النابعة من مصدري الإسلام (القرآن ، والسنة) وهو ما يعبر عنه بالمشروع الإسلامي…

والمشروع الإسلامي: هو ذلك المنهج الرباني الذي يعتبر وجها شاملًا للدين والدولة والذي يحمل في جعبته الحل الأمثل لقضايا المجتمع ، والسياسة والاقتصاد … إن مصادر وروح التشريع الإسلامي نابعة من هذين المصدرين قال تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الأنعام: من الآية38) وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: من الآية7) ..

إن هذا القرآن هو الذي قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء: من الآية135) ، فبسط مبدأ العدالة ولو على النفس ، أو أقرب الأقربين ، ولقد حدد القرآن الكريم السلطان في مفهوم الإسلام بثلاث شعب الشورى والعدالة ، والحكم بما أنزل الله ، والرجوع إلى الكتاب والسنة [11] .

… لقد ترجم النبي صلى الله عليه وسلم هذه المفاهيم القرآنية على أكمل وجه من وجوه العدالة المسوية بين الناس ، فجمع عليه الصلاة والسلام في يده السلطات الثلاث ، التشريعية ، القضائية ، التنفيذية:"أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتكلمني في حد من حدود الله قال أسامة استغفر لي يا رسول الله فلما كان العشى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى علي الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد تلك المرأة فقطعت فحسنت توبتها بعد ذلك قالت عائشة رضي الله عنها وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [12] …"

إذًا من هذه المنطلقات الإيمانية فإن الأدوات المعرفية هي تلك المواعين التي تحدد مواكبة المجتمعات لمفاهيم العصر سلبًا وإيجابًا فهي أدوات متطورة ذات منهجية مستمدة من وحي ثابت مواكب للتطور بحيث يتناسب مع تطور كل الأدوات المعرفية ، من أجل ذلك جاء التنزيل لإسعاد البشرية جمعاء بدون استثناء قال تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الانبياء:107) . داعيًا لإعمال المفاهيم المعرفية ضمن الكتاب المنظور والمسطور .

وبالنظر للمدلول المعرفي يتبين من خلاله أن للمعرفة علاقة ملموسة بالسنن الإلهية ، وهي التي تساعد على إفهام القوانين الإلهية بطرق علمية منضبطة ، وعليه فإن التصور القرآني للمعرفة هو الذي يبين لنا مجالاتها وكيفية تحصيلها ، ومعاييرها ، وخصائصها .

وعليه فإن هذه المعارف تتألف من ضربين: معارف ضرورية وهي خاصة بذات الله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق: من الآية12) . ومعارف مكتسبة . والفرق بينهما من جهة قدرة العالم على علمه المكتسب واستدلاله عليه ووقوع الضروري فيه من غير استدلال عليه . قال أبو منصور البغدادي:"العلوم قسمان أحدهما علم الله تعالى علم قديم ليس بضروري ولا مكتسب ولا واقع عن حس ولا عن فكر وهو ذلك محيط بجميع المعلومات على التفصيل …، والثاني علوم الناس وسائر الحيوانات"

وأبرز طرق لاكتساب المعرفة:

يظهر بذلك أن المعرفة في التصور القرآني لها جانبان ، جانب إلهي به تحصل المعرفة عن طريق التكوين والخلق في الانسان ـ دون إرادة منه ـ وهو المكون للأصول التي تتأسس عليها المعارف. وجانب آخر مكتسب يقوم على مبدأ الإرادة والقدرة على تفعيل تلك الإرادة وأمد الله الإنسان بالعقل والحواس لبناء هذا الجانب من المعارف عن طريق التجربة والاستدلال . بل جاءت معارف إنسانية عن طريق الوحي والإلهام لحين من الزمان قبل أن يكتمل الأمر بالرسالة الخاتمة التي جمعت في منهجها بين هذه الأساليب الثلاثة: والوحي ، والتجربة ، والاستدلال القياسي والاستقرائي [14] .

أما خصائص المعرفة في التصور القرآني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت