فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 2255

كما تأرجحت العلاقة بين الجنسين بين اعتبارها علاقة حيوان بحيوان0 إلى اعتبارها دنسًا ورجسًا من عمل الشيطان0 إلى اعتبارها مرة أخرى علاقة حيوان بحيوان!

أما أن المرأة شطر النفس الإنسانية، وأنها صانعة الجنس البشرى، وأنها حارسة العش الذى تدرج فيه الطفولة00 وأنها الأمينة على أنفس عناصر هذا الوجود00 (( الإنسان ) )00 وأن عملها في إتقان هذا العنصر لا يعدله عملها في إتقان أى عنصر آخر أو أى جهاز000 إلى آخر هذه الاعتبارات الفطرية الإنسانية الكريمة00 فهذا ما لم يعتدل به الميزان قط، في تلك المناهج الجاهلية0

وأما العلاقة بين الجنسين أداة لخدمة النوع البشرى، بإنشاء المحضن الآمن النظيف الواعى المتخصص، لإنتاج صناعة البشر- وهى أثمن وأعلى صناعة في هذه الأرض- واعتبار (( الواجب ) )- لا اللذة- هو عماد هذه العلاقة، لتعلق المستقبل البشرى كله بها، وقيام التمدن البشرى عليها000 أما هذا الاعتبار فلم يعتدل به الميزان كذلك قط في مناهج الجاهلية القديمة أو الحديثة00

وقد مضت الجاهلية الإغريقة القديمة على ذلك النمط، ولا مجال للحديث عنها هنا خوف الإطالة 0

(( والذين تسنوا ذروة المجد والرقى في العالم - بعد اليونانيين - هم الرومان. وفى هذه الأمة أيضًا نرى تلك السلسلة من الصعود والهبوط. التى قد شاهدناها في اليونان. فحينما خرج الرومان من عصر الوحشية وظلم الجهل، وظهروا على مسرح التاريخ لأول مرة، كان الرجل رب الأسرة في مجتمعهم، له حقوق الملك كاملة على أهله وأولاده0 بل بلغ من سلطته في هذا الشأن، أن كان يجوز له حتى قتل زوجته في بعض الأحيان( ) 0

(( ولما تحققت فيهم سورة الوحشية، وتقدموا خطوات في سبيل المدنية والحضارة، تخففت القسوة في تلك السلطة، وجعلت الكفة تميل إلى الاستواء والاعتدال شيئًا فشيئًا وإن بقى نظام الأسرة القديم ثابتًا في حاله0

(( ثم أخذت نظرية الرومان في النساء تتبدل(بعد فترة من شبه الاعتدال والتوازن) برقيهم وتقلبهم في منازل المدنية والحضارة0 وما زال هذا التبديل يطرأ على أنظمتهم وقوانينهم المتعلقة بالأسرة، وعقد الزواج والطلاق، إلى أن انقلب الأمر ظهرًا لبطن، وانعكست والحال رأسًا على عقب، فبم يبق لعقد الزواج عندهم معنى سوى أنه عقد مدنى (Civil Cont صلى الله عليه وسلم act) فحسب، ينحصر بقاؤه ومضيه على رضى المتعاقدين0 وأصبحوا لا يهتمون بتبعات العلاقة الزوجية إلا قليلًا0 ومنحت المرأة جميع حقوق الإرث والملك، وجعلها القانون حرة طليقة لا سلطان عليها للأب ولا للزوج0 ولم تصبح الرومانيات مستقلات بشئون معايشهن فحسب، بل دخل في حوزة ملكهن وسلطانهن جزء عظيم من الثراء القومى على مسير الأيام0 فكن يقرضن أزواجهن بأسعار الربا الفاحشة، مما يعود به أزواج المثريات من النساء عبيدًا بهن في ميادين العمل والواقع! ثم سهلوا من أمر الطلاق تسهيلًا جعله شيئًا عاديًا يلجأ إليه لأتفه الأسباب00 فهذا (( سنيكا ) )الفيلسوف الرومانى الشهير (4ق0 م- 56م) يندب كثرة الطلاق، ويشكو تفاقم خطبه بين بنى جلدته فيقول: (( إنه لم يعد الطلاق اليوم شيئًا يندم عليه أو يستحى منه في بلاد الرومان0 وقد بلغ من كثرته وذيوع أمره، أن جعلت النساء يعددن أعمارهن بأعداد أزواجهن!

(( وكانت المرأة الواحدة تتزوج رجلا بعد آخر، وتمضى في ذلك من غير حياء0 وقد ذكر (( مارشل ) ) (60- 140م) عن امرأة تقلبت في أحضان ثمانية أزواج في خمس سنوات0 وأعجب من كل ذلك وأغرب ما ذكره القديس (( جروم ) ) (340- 420م) عن امرأة تزوجت في المرة الأخيرة الثالث والعشرين من أزواجها، وكانت هى أيضًا الحادية والعشرين لبعلها!

(( ثم بدأت تتغير نظرتهم إلى العلاقات والروابط القائمة بين الرجل والمرأة من غير عقد مشروع0 وقد بلغ بهم التطرف في آخر الأمر، أن جعل كبار علماء الأخلاق منهم يعدون الزنا شيئًا عاديًا00 فهذا (( كاتو ) ) (Cato) الذى أسندت إليه (( الحسبة الخلقية ) )سنة 184 قبل الميلاد يجهر بجواز اقتراف الفحشاء في عصب الشباب0 وذاك (( شيشرون ) ) (Cis صلى الله عليه وسلم o) المصلح الشهير يرى عدم تقييد الشبان بأغلال الأخلاق المثقلة، بإطلاق العنان لهم في هذا الشأن0 ولا يقتصر الأمر عليهما، بل يأتى (( أبكتيتس ) ) (Epictetus) الذى يعد من المتصلبين في باب الأخلاق من فلاسفة الرواقيين (Stoics) فيقول لتلاميذه00

مرشدًا ومعلمًا.. (تجنبوا معاشرة النساء قبل الزواج - ما استطعتم - ولكنه لا ينبغى أن تلوموًا أحدًا ، أو تؤنبوه، إذا لم يتمكن من كبح جماح شهواته .. ) ) ( ) 0

ثم كان من ثمرة هذه الاتجاهات ما سبق أن أثبتناه ( ) ، من إحلال عرى المجتمع الرومانى.. ثم دمار هذا المجتمع. وسقوط الدولة الرومانية0

ومن هذه الناحية الإباحية المطلقة والشهوانية العارمة، واعتبار اللذة غاية التقاء الجنسين التى لا غاية وراءها00

ومن هذا الطرف القاصى انتقلت أوروبا - أو أرادت الكنيسة نقلها - إلى الطرف القاصى الآخر. إلى الرهبنة وإلى الفرار من المرأة، وإلى مهانتها في الوقت ذاته وازدرائها0

وقد سبق أن تحدثنا عن الرهبنة وسلطان الكنيسة في المجتمع الأوروبى واضطرابه وتخبطه، حتى أفلتت منه شاردة إلى تيه الجاهلية الحديثة 0

ونزيد الأمر هنا إيضاحًا فيما يتعلق بالنظرة إلى المرأة خاصة، وإلى العلاقة بين الجنسين في ظل التصور الكنسى0

(( فمن نظريتهم الأولية الأساسية في هذا الشأن، أن المرأة ينبوع المعاصى، وأصل السيئة والفجور، وهى للرجل باب من أبواب جهنم، من حيث هى مصدر تحريكه وحمله على الأثام. ومنها انبجست عيون المصائب الإنسانية جمعاء، فبحسبها ندامة وخجلًا أنها امرأة! وينبغى لها أن تستحى من حسنها وجمالها، لأنه سلاح إبليس الذى لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة، وعليها أن تكفر ولا تنقطع عن أداء الكفارة أبدًا، لأنها هى التى قد أتت بما أتت من الرزء والشقاء للأرض وأهلها..

(( ودونك ما قاله (( ترتوليان ) ) (Te صلى الله عليه وسلم tulian) أحد أقطاب المسيحية الأول وأثمتها، مبينًا نظرية المسيحية ( ) فى المرأة 00

(( إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة. ناقضة لقانون الله. ومشوهة لصورة الله - أى الرجل ) )0

(( وكذلك يقول (( كرائى سوستام ) ) (ch صلى الله عليه وسلم y sotem) الذى يعد من كبار أولياء الديانة المسيحية في شأن المرأة:

(( هى شر لابد منه، ووسوسة جلية، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ورزء مطلى مموه !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت