(( أما نظريتهم الثانية في باب النساء، فخلاصتها أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة هى نجس في نفسها يجب أن تتجنب - ولو كانت عن طريق نكاح وعقد رسمى مشروع - هذا التصور الرهبنى للأخلاق الذى كانت جذوره تكاد تتأصل في أوروبا من قبل، بتأثير الفلسفة الإشراقية(NEO- Platonism) جاءت المسحية فزادته شدة، وبلغت به منتهاه. وذلك أن أصبحت حياة العزوبة مقياسًا لسمو الأخلاق وعلو شأنها، كما صارت الحياة العائلية علمًا على انحطاط الأخلاق ومهانة الطباع، وجعلوا يعدون العزوبة تجنب الزواج من أمارات التقوى والورع وذكاء الأخلاق. وأصبح من المحتوم لمن يريد أن يعيش عيشة نزيهة ألا يتزوج أصلًا ، أو لا يعاشر أمرأته معاشرة الزوج لزوجته على الأقل! وكذلك قرروا ووضعوا القوانين في مؤتمراتهم الدينية إلا بمرأى من الناس، وأو أمام رجلين من رجالهم على الأقل.. وما آلوا جهدًا في أن يثبتوا في قلوب الناس الشعور ببشاعة العلاقة الزوجية وتنجسها.. وخذ لذلك مثلًا أن كان شائعًا بينهم، أن الزوجين اللذين اتفق لهما أن يبيتا معًا ليلة عيد من الأعياد، لا يجوز لهما أن يعيدا ويشتركا مع القوم في رسومهم ومباهجهم، كأنى بهم يرون أنهما قد اقترفا سلبهما حق المشاركة في حفل دينى مقدس عندهم.. وقد بلغ من تأثير هذا التصور الرهبنى، أن تكدر صفو ما بين أفراد الأسرة والعائلة من الأواصر. وحتى ما بين الأم والولد منها. إذ أمسى كل قرابة وكل سبب ناتج عن عقد الزواج يعد إثمًا وشيئًا نجسًا !
(( وهاتان النظريتان ما وضعتا من مكانة المرأة وحطتا من شأنها في حقول الأخلاق والاجتماع فحسب، بل كان من مفعولهما القوى، ونفوذهما البالغ في القوانين المعينة، أن أصبحت الحياة الزوجية مبعث حرج وضيق للرجال والنساء بجانب، وبجانب آخر انحطت منزلة المرأة في المجتمع في كل ناحية من نواحى الحياة ) ) ( ) 0
ثم انفلتت أوروبا من ربقة الكنيسة وتصوراتها الكنسية، وشردت عن الله وعن الدين كله، ومضت في شرودها آبقة من كل ما يربطها بالله وبالدين: صحيحة وزائفة على السواء !
وفى خلال القرن التاسع عشر ظهر داروين وفرويد وكارل ماركس جميعًا 0
وكانت إيحاءاتهم وتوجيهاتهم كلها منصبة على تحقير الإنسان بشتى الطرق. مرة بحيوانيته المطلقة على يد داروين. ومرة بوحله الجنسى المطلق على يد فرويد. ومرة بسلبيته وضآلة دوره تجاه المادة والعوامل الاقتصادية على يد كارل ماركس0
وكل هذه الايحاءات والتوجيهات كما تؤثر في النظرة إلى الإنسان ذاته، تؤثر كذلك في النظرة إلى المرأة وإلى العلاقات بين الجنسين بصفة خاصة. وتحطم كل قوائم الأخلاق. وتطلق الجنسين حيوانين يتلمسان الشهوة واللذة لذاتهما.. حتى الهدف الحيوانى من حفظ النوع بالنسل لم يعد الناس في أوروبا وأمريكا ينظرون إليه إلا على أنه قد يحد من حرية الاختلاط الجنسى، ويحمل الذكر والأنثى تبعات لا يريدان أن يتحملاها! فأصبح همهما معًا هو التخلص من آثار اللذة بعد الالتقاء الجنسى، بمنع الحمل، أو بالإجهاض أو بوأد الوليد. (وسنتحدث عن هذا بشىء من التفصيل في فصل تال ) ) 00
المهم هنا أن نقرر جموح النظرة إلى المرأة، بعد انفلات أوروبا من نير الكنيسة والتصورات الكنسية، وشرودها - إبان هذا - عن الله وعن منهجه في الحياة، والفصل بين اللذة الجنسية في علاقات الجنسين وأهدافها الإنسانية - ثم أهدافها الحيوانية أيضًا !
(( قالت لى إحدى الفتيات الأمريكيات في معهد المعلمين (( جريلى كولورادو ) )فى أثناء مناقشة عن الحياة الاجتماعية في أمريكا:
(( إن مسألة العلاقات الجنسية مسألة بيولوجية بحتة، وأنتم الشرقيون تعقدون هذه المسألة البسيطة بإدخال العنصر الأخلاقى فيها. فالحصان والفرس، والثور والبقرة، والكبش والنعجة، والديك والفرخة .. لا يفكر أحد منها في حكاية الأخلاق هذه، وهو يزاول الاتصال الجنسى. ولذلك تمضى حياتها سهلة بسيطة مريحة !!!
(( وكانت إحدى المدرسات في المعهد المركزى لتعليم اللغة الإنجليزية للغرباء بمعهد ويلسون للمعلمين بواشنطون، تلقى على مجموعة من طلبة أمريكا اللاتينية - الذين يعدون في هذا المركز لتلقى الدراسة باللغة الإنجليزية - درسًا في تقاليد المجتمع الأمريكى. وفى نهاية الدرس ألت طالباص من جواتيمالا عن ملاحظاته عن المجتمع الأمريكى.. فقال لها: لقد لاحظت أن فتيات صغيرات في سن الرابعة عشرة وفتيانًا صغارًا في سن الخامسة عشرة يزاولون علاقات جنسية كاملة.. وهذا وقت مبكر جدًا لمزاولة هذه العلاقات .. وكان ردها في حماسة:
(( إن حياتنا على الأرض جد قصيرة. وليس هناك وقت نضيعه أكثر من الرابعة عشرة..) ( )
وقد اخترت هذين النموذجين بالذات من مئات الأمثلة التى شاهدتها هناك. لأن صاحبتيهما مدرستان، وتأثير المدرسة في نشر هذه الإيحاءات أوسع من تأثير أى شخص آخر0
ومع هذه الإباحة المطلقة - أو بسبب هذه الإباحية المطلقة - لم تعد العلاقات الجنسية الطبيعية المباحة الرخيصة تشبع الميول الجنسية، فانتشر الشذوذ الجنسى، بالميل إلى الجنس الآخر سواء في عالم الفتيان، أو في عالم الفتيات، ويحتوى تقريرًا (( كنزى ) )عن (( السلوك الجنسى عند الرجال، والسلوك الجنسى عن النساء ) )، إحصاءات دقيقة وعجيبة عن هذا الشذوذ.
وأذكر - بقدر ما يسمح الحياء وأدب الكتابة - مشاهدة شخصية في أحد فنادق واشنطن:
(( كنت مع زميل مصرى ننزل في هذا الفندق - بعد وصولنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بيومين اثنين - وقد أنس إلينا عامل المصعد الزنجى - لأننا أقرب إلى لونه، ولأننا لا نحتقر الملونين - - فجعل يعرض علينا (( خدماته ) )فى (( الترفيه ) ).. ويذكر (( عينات ) )ن من هذا الترفيه. بما فيها (( الشذوذات ) )المختلفة00
(( وفى أثناء العرض جعل يقص علينا أنه كثيرًا ما يكون في إحدى الحجرات (( زوج ) )من الفتيان أو الفتيات. ثم يطلبان إليه أن يدخل إليهما زجاجة كوكا كولا .. دون تغيير لوضعهما عند دخوله !!!
(( ولما بدأ علينا الاشمئزاز والاستغراب ، وقلنا له:
(( أما يخجلان ؟
(( أجاب بدوره متعجبًا لاشمئزازنا وتعجبنا وسؤالنا عن الخجل:
(( لماذا؟ إنهما يرضيان ميولهما الخاصة، ويمتعان أنفسهما.. وعلمت فيما بعد - من المشاهدات الكثيرة - أن المجتمع الأمريكى لا يستنكر على إنسان أن يرضى لذته بالشكل الذى يروق له. طالمًا أن ليس هناك إكراه .. ومن ثم فلا جريمة .. حتى فيا لا يزال القانون - على الورق - يعد جريمة .. ) ) ( ) 0
والحال في أوروبا - وبخاصة في بلاد الشمال - لا يفترق كثيرًا عن الحال في أمريكا. أما أثر هذا الانحلال في حياة المجتمع، وفى تدمير (( الإنسان ) )وتحطيم المجتمع الإنسانى، وفى تهديد الحضارة الإنسانية الراهنة بانزواء، كما انزوت حضارة الرومان القديمة، فسنتحدث عنه في فصل تال0
والكنيسة؟ ما شأنها مع هذا الانحلال الجارف؟ ورجال الدين ما شأنهم مع المجتمع الجديد؟