إن الفتاة المسلمة المثقفة مطالبة بالمشاركة الإيجابية الفعالة في النهضة الإسلامية المعاصرة، وبناء جيل إسلامي واع مثقف مؤهل لتحمل المسؤولية العظيمة في إعادة بناء صرح هذه الأمة فلئن عجز الجيل السابق عن القيام بهذا الدور على الرغم من تدينه وتمسكه بالقيم الأخلاقية؛ لكونه ينقصه الكثير، فهو جيل عانى من الأمية، من ضعف الخبرة في معطيات العصر، وانعدام الفاعلية في حركة المجتمع المعاصر، وضعف القدرة على فهم الجيل الجديد وتطلعاته.
فهل نصلح نحن بواقعنا الثقافي الحالي للقيام بهذه المهمة المرتجاة؟
بصدق... أعترف لكم: إن دورنا مازال هامشيًا، وقاصرًا، ولم يصل إلى المستوى المطلوب من الفاعلية، على الرغم من أننا حصلنا على أعلى الشهادات، وتولينا مناصب قيادية، واقتحمنا معظم الميادين، ويرجع ذلك لأسباب ذاتية واجتماعية، على الرغم مما تشهده بلادنا من تطور فتح المجال أمام الفتاة للمشاركة في نهضة المجتمع، وبناء الأمة.
والخلاصة:
إن المرأة في بلادنا تعيش حالة من عدم الفاعلية على المستويين الأمي والمتعلم.
وتركيزي على الفتاة الجامعية؛ لأنها تشكل الشريحة المثقفة من المجتمع، والقطاع الأساسي من الرأي العام الواعي المؤثر، الذي يجب أن يكون له دوره المستقبلي الفعال، فالمرأة المسلمة المثقفة تتحمل المسؤولية نفسها التي يتحملها الرجل في تحقيق المجتمع الإسلامي بصورته الرائعة، وتطهيره من كل ما داخله من شوائب فكرية وأخلاقية، وعادات غريبة؛ لذا فنحن في حاجة إلى إيجاد جيل من الفتيات المسلمات المثقفات ثقافة إسلامية عميقة، للقيام بالدور المرجو في أوساط قد لا يتأتى دخول الدعاة من الرجال إليها.
كما أن تأثير العنصر النسائي في بناء المجتمعات لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه، أو إخفاء أهميته؛ ذلك أن المرأة تشكل أساس المجتمع الذي يتربى فيه رجال الأمة. وتأثيرها في هذا المجال عميق جدًا، فهي الأم، والأخت، والزوجة والابنة، هي المجتمع كله لا نصفه كما يقال؛ ولأن الله- سبحان وتعالى- أناط بالرجل مهمة إعداد الجماعة، فقد حمل المرأة مسؤولية إعداد الرجل الذي يقود الجماعة.
ولكن كيف نصل إلى تحقيق ذلك الأمل؟ ومن أين نبدأ؟ وما هو الحل؟
البداية لا بد أن تكون من عالم الأفكار.. أفكارنا نحن الجامعيات الجيل الأمل لهذه الأمة..
فنحدد لون ثقافتنا، وحجمها وعمقها، وفاعليتها، ومساهمتها في بناء الوطن، والتغيير الاجتماعي، لا بد لنا من تحديد نقطة الانطلاق، وتحديد الأهداف الأساسية، والأهداف الثانوية، لا بد من تحديد الوسائل والآليات، سواء أكانت وسائل ثقافية وفكرية، أم وسائل عملية وتربوية، وما إلى ذلك من وسائل. وهذه كلها يقدمها لنا الإسلام، فالإسلام إذن هو الحل الأمثل لكل مشكلاتنا، منه نبدأ، وعلى هداه نسير، ولرفع رايته عزيزة عالية نعمل، لحفظ هويتنا، وأصالتنا، ووجودنا، لتنمية مجتمعنا، ومواجهة ما يتهددنا محليًا وخارجيًا.
فلئن استطاعت الوجهة التغريبية أن تحول بدرجة مؤثرة دون توظيف المرأة المسلمة في عمل جاد للإسلام، واستطاعت بشكل أو بآخر تحييد قطاع واسع من النساء إزاء المعركة الضارية التي تشن ضد المرأة المسلمة، وتجعلها تعيش في جو من الاغتراب النفسي والعقلي المغلف باسم الدين أحيانًا. وباسم التقدم أحيانًا أخرى، فقد وجب على الفتاة الجامعية أن تقوم بدورها كاملًا في التصدي لتيارات التبعية والتغريب، والرجعية، وبناء المجتمع المحكوم بالقيم الإسلامية. وتصحيح صورة المرأة المسلمة التي ظلت لقرون طويلة قرينة السلبية والعجز والاضمحلال الثقافي، وقصور الوعي والإدراك.
وتقديم صورة جديدة ومشرقة للمرأة المسلمة التي حملت مسؤولية الحفاظ على بناء أمتها فتحملتها بجدارة، وكانت أهلًا لها، لأنها والله مأساة كبرى أن نرى الإسلام الحقيقي ينحسر عن بيوتنا، عن مجتمعاتنا، ونقف نتفرج صامتات.
ومن أجل القيام بدورنا المتميز كاملًا فلا بد لنا من خطوات نتبعها.
الخطوة الأولى:
بناء الشخصية المتكاملة
الفتاة الجامعية التي نالت حظًا من التعليم فتح أمامها الكثير من مجالات الحياة، لا بد لها من أن تقف من نفسها موقف النقد الذاتي الذي تستطيع من خلاله معرفة أوجه النقص في شخصيتها فتكملها، ومواطن القوة فتنميها، وذلك ضمن إطار شرعي واع، حتى تستطيع تشكيل شخصيتها الإسلامية المستقلة، وهذا يتطلب منها رسم منهاج متكامل له خصائص متميزة نوجزها فيما يلي:
1)سلامة العقيدة، وصحة التصور.
2)العمل الجاد على تحصيل القدر الأكبر من الثقافة الإسلامية وأخذها من مصادرها الأصلية.
3)غرس الآداب الإسلامية في النفس وتهذيب الأخلاق.
4)التزود بالمعارف والعلوم التي تعينها على توسعة مداركها وتعميق ثقافتها.
5)الدراسة العميقة والواضحة لواقع المرأة المسلمة المعاصرة ومشكلاتها.
6)أخذ صورة واضحة ومتكاملة لهذا العصر بما فيه من حسنات وسيئات من خير، وشر، ومذاهب فكرية، وسياسية، واقتصادية، وأخلاقية، ومعرفة الأفكار والأساليب التي ينتهجها أصحاب كل مذهب.
7)إدراك عظم المسؤولية الملقاة على عاتقها، والدور المهم الذي ينتظرها في مجابهة التحديات المعاصرة.
8)مراقبة الله في السر والعلن.
على أن يتم ذلك كله بعيدًا عن أي مؤثرات داخلية أو خارجية، ولكن وفق تصور عقلي ناضح منضبط بضوابط الشريعة، وأن تعيش وفق المتطلبات الراهنة والمستقبلية لهذه الأمة؛ ذلك أن مستقبل الأمة سيقوم بإذن الله على ما تقدمه له.
بذا تكون نموذجًا للمرأة المسلمة الواعية المثقفة، الفاعلة، المنفعلة، التي تقتحم ميادين الحياة بكل ثقة وإقدام، متمسكة بكتاب الله، متبعة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سائرة على منهاج الإسلام الأصيل.
الخطوة الثانية:
مراجعة التقاليد
على فتاتنا رصد العادات، والتقاليد، التي تحكم حياتنا، وتتحكم في مجتمعنا، ووزنها بميزان الإسلام، حتى تستطيع أن تميز بين ماهو إسلامي صحيح فتعمل على تأصيله ونشره والمحافظة عليه، وما هو غير إسلامي من تقاليدنا العربية والقبلية. فترفض ما كان منها مخالفًا لشرع الله، وتسعى لبيان ذلك بالأسلوب العقلاني الواعي الرشيد، وتقبل ما وافق أصول الشرع الثابتة، فكثيرًا ما كانت بعض التقاليد الخاطئة سببًا لرفض الإسلام، أو الابتعاد عنه، بل والتمرد على قيمة ومبادئه.
الخطوة الثالثة:
مواجهة التغريب
في هذا العصر الذي أطلق عليه (عصر القلق) لما يعج به من نظريات علمية، وتيارات فكرية، واتجاهات عقلية، تفرض نفسها على الإنسان، وتقتحم عليه حياته، وتطل عليه من كل مكان، متسللة إلى ذهنه عبر وسائل الإعلام المختلفة مسموعة ومرئية مقروءة، وما تبثه هذه بدورها من سموم فكرية، ونظريات مادية، وعقائد مختلفة، تزلزل النفوس، وتشوش الأفكار، وتحدث الاضطراب في القناعات.
في هذا العصر المسمى ( عصر الانفتاح والتقارب) الذي جعل العالم الأرضي كبلد واحد، بات من المستحيل فيه إغلاق الأبواب على الأجيال الشابة المثقفة، منها وغير المثقفة.