وبالرغم من هذا النجاح للتيارات الفكرية الليبرالية واليسارية، إلا أنها لم تستطع الصمود في وجه الفكر الإسلامي الصحيح، والعقيدة الصافية، فمع مرور الوقت ثبت فشلهما في المجتمع المسلم، على الصعيد الاقتصادي، والنفسي والروحي، والأخلاقي، وحتى العسكري، والسياسي.
لقد كانت إنجازاتهما جزئية، ومكاسبهما وقتية، لكنها أثرت في المجتمع المسلم بصورة لا يمكن تجاهلها؛ لأنها أدت إلى اضطرابات سياسية، واجتماعية وصراعات داخلية، أنهكت الأمة ومزقت شملها وأحدثت الفرقة بين صفوفها.
ولو ضيقنا نطاق الدائرة قليلًا، وانتقلنا من المجتمع الإسلامي الكبير، إلى مجتمعنا السعودي الصغير لوجدنا أن الوضع يختلف، فبلادنا بفضل الله ومنته لم تخضع لاحتلال عسكري أجنبي أبدًا ولكنه- أي مجتمعنا- كان قبل بضع عشرة سنة مجتمعًا قرويًا، وبدويًا بسيطًا، يعيش منغلقًا على نفسه في حياة انعزالية حافظت له على خصائصه الاجتماعية والأخلاقية والدينية.
لكن مد التطور والتقدم الذي رافق اكتشاف النفط في أراضينا، قفز بالمجتمع السعودي قفزة مذهلة، وانتقل به نقلة كبيرة من البساطة الاجتماعية إلى حياة التقدم والمعاصرة في فترة وجيزة جدًا تكاد لا تصدق، والانتقال الفجائي السريع من حال إلى حال وهو ما يسمى (الطفرة) لا بد أن يحدث خللًا وفجوةً واضحةً في المجتمع، واهتزازًا في الموازين، فقد أحدثت هذه الطفرة هزة عنيفة قسمت المجتمع إلى فئات متباينة تعيش حالات من التناقض أمام معطيات العصر وإن احتفظ المجتمع بخصائصه الإسلامية بشكل عام.
الفئة الأولى:
التقليديون
وهي قليلة نسبيًا ويكاد ينحصر وجودها في الوقت الحاضر بعدد قليل من الأفراد.
هذه الفئة تريد التمسك ببقايا الماضي، ورواسب الأفكار، والتقاليد الموروثة، وتجميد المجتمع على صورته السابقة، ورفض معطيات الحضارة المعاصرة جملة وتفصيلًا وتنسب ذلك إلى الإسلام وهو منه براء. ذلك أن الإسلام يندد بالجمود الفكري، والتحجر العقلي، وتعطيل الملكات وإهمال التجديد والتطور وينعى على الذين لا يفكرون بعقولهم، أو يتجمدون على القديم المألوف ولو كان الجديد أهدى سبيلًا وأقوم رشدًا، وكتاب الله مليء بالآيات التي تذم مثل هذا الموقف التقليدي، وتدعو إلى إعمال العقل والحواس للوصول إلى الحق على هدى من نور الوحي الإلهي. وماضينا المجيد أوضح دليل، وأصدق شاهد على بطلان هذا الموقف. وكم أصبحت الحاجة ماسة للتمييز في تقاليدنا بين ماهو إسلامي فنتشبث به، وما هو جاهلي مناف للإسلام فنتخلص منه.
الفئة الثانية:
الحداثيون
وهي قلة ولله الحمد لكنها تعمل بجد ونشاط ومؤشرات عملها قد ظهرت في الأيام القليلة الماضية.
هذه الفئة تقف على طرف النقيض من الفئة الأولى، طابعها الإسراف إلى أبعد الحدود، والرغبة في الانغماس في الحضارة الغربية، ونسف كل ماهو موروث من عقائد، وقيم ومفهومات، وتقاليد، واستبدالها بالجديد، زاعمة أن ذلك لا يتنافى مع الإسلام وأنه علاقة شخصية بين المرء وربه، فتأخذ منه ما يناسبها وتترك مالا يناسبها، هي فئة هجين لا شخصية لها ولا هوية، تجهل الإسلام جهلًا فاضحًا، لأن الإيمان اعتقاد، وقول، وعمل، والإسلام لا يكون إسلامًا إلا بتطبيق أحكامه جملة وتفصيلًا في شتى جوانب الحياة الشخصية والاجتماعية؛ لأنه كل لا يقبل التجزؤ.
الفئة الثالثة:
المتحيرون
وهي تشكل الأكثرية.
تعيش هذه الفئة في صراع دائم، وقلق مستمر حاد، واضطراب بين معطيات المدينة الحديثة، ومغرياتها، وأساليبها المثيرة في الدعاية والتأثير، وأصولها الإسلامية الراسخة في أعماقها وفطرتها النقية التي أوجدها الله فيها، والتي تدعوها إلى المحافظة على جذورها الدينية، والتمسك بشخصيتها الإسلامية العريقة.
فنراها ترنو بعين متشوقة إلى الجديد المثير، وترنو بعين أخرى بتراثها الموروث الذي تربت عليه، ونهلت من منابعه الرائقة، فهي مشتتة، تعاني من الحيرة والقلق، والاضطراب، وهذه الفئة تحتاج إلى تقوية إيمانها وتثبيته، ومراجعة ثقافتها الإسلامية وتراثها المجيد.
الفئة الرابعة:
الوسطيون
تحاول أن تواكب ركب الحضارة، دون أن تفقد كيانها الإسلامي، وشخصيتها المستقلة، وتراثها الثمين، فتأخذ من معطيات الحضارة ما يتناسب وعقيدتها الإيمانية، وأصولها الإسلامية، وجذورها العريقة، ويعينها على القيام بدورها المأمول.
وترفض في المقابل ما يتنافى مع ذلك، أو يناقضه.
وهي الفئة التي فهمت الإسلام فمهًا حقيقيًا، وآمنت إيمانًا صادقًا، فنسأل الله لها الثبات والتمكين.
والصراع بين هذه الفئات الأربع دائم ومستمر، يحتد في بعض الأحيان ويهدأ أحيانًا أخرى، لكنه موجود ولا يمكن إنكاره.
وبعد هذا الاستعراض لواقعنا المعاصر يواجهنا سؤال مفاده أين المرأة المسلمة المثقفة؟
أين فتاتنا الجامعية الواعية؟ وهل قامت بدوها المأمول؟ وماذا قدمت لمجتمعها؟ وتأتينا الإجابة حين نلقي نظرة شاملة على ساحات الصراع في العالم أجمع، حيث نجد المرأة المثقفة في البلاد الأخرى، قد قامت بدورها، كبر هذا الدور أم صغر فاعلًا كان أم منفعلًا، ضارًا أم نافعًا، لكنه يبقى دور أعطى لها مكانتها وأثبت وجودها وقدرتها على الدفاع عن معتقداتها.
لكن حين ننتقل إلى الساحة الإسلامية لا نكاد نجد للمرأة المسلمة المثقفة دورًا، على الرغم من أهمية دورها في هذا العصر الحافل بأقسى أنواع الصراعات العقدية، والفكرية، والاجتماعية، والسياسية باختلاف درجاتها، وتباين صورها، وإن كان لها وجود فهو وجود محدود وفي نطاق ضيق لا يؤثر في تحريك عجلة التغيير الاجتماعي نحو الإسلام إلا شيئًا قليلًا. وإن كان للمرأة المسلمة في البلاد الأخرى بعض العذر؛ لأنها تحارب حربًا لا هوادة فيها فإن الفتاة السعودية المثقفة لا عذر لها؛ ذلك أن الجو العام في هذه البلاد مهيأ من الناحية النفسية، والروحية، والفكرية والاجتماعية، على الصعيدين الرسمي والشعبي، والظروف مناسبة. لكن أين هي؟ لماذا لا يكون لها دور فعال في هذا العصر..؟ ما سر غيابها عن ساحة الصراع في هذه المرحلة الحرجة من تأريخ أمتنا.. ؟ لماذا آثرت السلبية..؟ وارتضت أن تقف موقف المتفرجة وكأن الأمر لا يعنيها..!
مكتفية بالتغني بأمجاد ماضيه، واستعراض الصور المشرقة للمرأة المسلمة في صدر الإسلام.
هل كان الهدف من إكمالها تعليمها وحصولها على أعلى الشهادات هو التفاخر بها في المجتمع؟ أو أن الدراسة الجامعية أصبحت مظهرًا اجتماعيًا لا بد منه لاستكمال الشكل الخارجي للفتاة؟
تساؤلات كثيرة تبحث عن إجابات مقنعة وواقعية ومنطقية.
من هذا المنطلق أقول: إن وضع فتاتنا الجامعية يحتاج إلى مراجعة جذرية عميقة، نحدد من خلالها العلل، ونصف العلاج، من أجل الوصول إلى إيجاد فتاة جامعية مثقفة في أكمل ملامحها الإسلامية التي تحسن التوفيق بين الأصالة، والمعاصرة، وتعمل جاهدة على تحقيق المجتمع الإسلامي الأمثل، وتتحمل مسؤولياتها كاملة في الحفاظ على مجتمعنا ليبقى مسلمًا مؤمنًا متمسكًا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فواقعنا الإسلامي المعاصر يحتم على المرأة أن تقوم بدورها الكامل في بناء المجتمع؛ ذلك الدور الذي أبعدت عنه لقرون متعددة.