ويقول ابن المبارك رحمه الله:
إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ... بعروته الوثقى لمن دانا
كم يدفع الله بالسلطان مظلمة ... في ديننا رحمة منه ودنيانا
لولا الخليفة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبًا لأقوانا [1]
ويقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: (إن الدنيا والأمن على الأنفس والأموال لا ينتظم إلا بسلطان مطاع، فتشهد له مشاهدة أوقات الفتن بموت السلاطين والأئمة، وإن ذلك لو دام ولم يتدارك بنصب سلطان آخر مطاع دام الهرج، وعمّ السيف وشمل القحط، وهلكت المواشي، وتعطلت الصناعات، وكان كل من غلب سلب، ولم يتفرغ أحد للعبادة والعلم إن بقي حيًا، والأكثرون يهلكون تحت ظلال السيوف، ولهذا قيل الدين والسلطان توأمان، ولهذا قيل: الدين أُسٌّ والسلطان حارس، ومالا أُسَّ له فمهدوم. وما لا حارس له فضائع [2] ، وعلى الجملة لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم، وما هم عليه من تشتت الأهواء، وتباين الآراء لو خُلُّوا وشأنهم، ولو لم يكن لهم رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا من عند آخرهم , وهذا داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء، فبان أن السلطان ضروري في نظام الدين ونظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة، وهو مقصود الأنبياء قطعًا، فكان وجوب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه فاعلم ذلك. أ. هـ [3] .
(1) انظر: الحلية لأبي نعيم (8/ 164) . ط. 1394 هـ. ن. مطبعة السعادة القاهرة. وانظر: بدائع السلك (1/ 108) .
(2) ينسب هذا القول إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح الحنبلي (1/ 200) ط. 1972 م. ن. دار العلم للجميع.
(3) الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص 199) ط. 1393 هـ. ن. مكتبة الجندي بمصر.