ومن المعلوم أن قيام هذه الدولة وزعامته - صلى الله عليه وسلم - لها لم يكن هدفًا له في حد ذاته، وإنما هو من مستلزمات هذا الدين الذي لا يتم إلا به، كيف وقد عرضت عليه قريش من أول وهلة الملك عليها من دون تعب ولا جهاد، وإنما بترك سبِّ آلهتهم، فرفض ذلك رفضًا [1] باتًا. وإنما كان هدفه الوحيد - صلى الله عليه وسلم - القيام بتبليغ هذه الرسالة وحملها إلى الناس، واتخاذ كافة الوسائل المؤدية إلى ذلك، ومن هذه الوسائل قيام الدولة الإسلامية، فهي واجبة لهذا الغرض، ولأنها من مستلزمات هذا الدين.
يقول الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله: (فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كوَّن من المسلمين وحدة سياسية، وألفَّ منهم جميعًا دولة واحدة كان هو رئيسها وإمامها الأعظم وكان له وظيفتان:
الأولى: التبليغ عن الله.
والثانية: القيام على أمر الله وتوجيه سياسة الدولة في حدود الإسلام، وقد انتهى عهد التبليغ بوفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وانقطاع الوحي، وإذا لم يكن بالناس حاجة إلى التبليغ [2] بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لوجود القرآن والسنة، فإنهم في أشد الحاجة إلى من يقوم على القرآن والسنة ويسوسهم في حدود الإسلام بعد أن كَوَّنَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم وحدة سياسية، واستنَّ لهم رئاسة الدولة وإمامة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بل إن التأسي بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وإتباع سنته يقتضي من المسلمين جميعًا أن يُكَوِّنوا من أنفسهم وحدة سياسية واحدة، وأن يقيموا لهم دولة واحدة تجمعهم، وأن يقيموا على رأسها من يخلف الرسول - صلى الله عليه وسلم -
(1) سيرة ابن هشام (1/ 293) ط. الثانية 1375 هـ. ن. مصطفى البابي الحلبي مصر. تحقيق: مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي.
(2) أي تبليغ شرع جديد. أما تبليغ القرآن والسنة فهذا واجب على علماء الأمة اتفاقًا.