هذه الصفات حتى يكون قادرًا على سياسة الرعية وتدبير مصالحهم الدينية والدنيوية، ولأن الحوادث التي تحدث في الدولة ترفع إليه ولا يتسنى له البتّ فيها كما لا تتبين له المصلحة إلا إذا كان على قدر من الحكمة والرأي والتدبير، ولذلك فلا يولى إلا من كان عنده القدرة على ذلك، يدل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر رضي الله عنه حينما قال له: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» . وفي رواية قال له: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين ولا تولين مال يتيم» [1] فإذا كان هذا في الولاية الصغرى وفي الأموال فمن باب أولى في الإمامة العظمى الشاملة للقيام بأعباء الولايات الصغرى والكبرى والأموال وغيرها.
وإلى اشتراط هذا الشرط ذهب إمام الحرمين الجويني [2] وسبقه أبو يعلى حيث يقول: (الثالث: أن يكون قَيِّما بأمر الحرب والسياسة وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ذلك والذب عن الأمة) [3] وبه قال الماوردي: (الرابع: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، الخامس: الشجاعة، والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو) [4] وبه قال البغدادي [5] ، وابن
(1) الحديث رواه مسلم في: الإمارة. باب: كراهية الإمارة بغير ضرورة، ح1825 (3/ 1457) ، وأبو داود في: الوصايا. باب: ما جاء في الدخول في الوصايا، (8/ 70) عون المعبود، والنسائي في: كتاب الوصايا. باب: النهي عن الولاية على مال اليتيم، وأحمد في المسند (5/ 173) .
(2) غياث الأمم (ص 68) .
(3) الأحكام السلطانية لأبي يعلي (ص 20) .
(4) الأحكام السلطانية للماوردي (ص 6) .
(5) أصول الدين (ص 277) .