11 -ولقد قلنا في الفقرة (3) إن العبارة القرآنية تفيد أن الشهود المعنيين فيها هم شهود يختارهم صاحب المصلحة ممن يرضى ويدعوهم لشهود الحادثة والشهادة عليها. وفي ضوء ذلك يرد سؤال عن حكم الحالة التي تكون فورية ويكون شاهدها امرأة واحدة أو امرأتان أو رجل وامرأة ولم يكن الظرف يتيح إحضار شهود أو يفيد فيه ذلك. وهذه حالات تقع كثيرا في مختلف الأحداث والظروف. والمتبادر أنه يجب الأخذ بشهادة المرأة أو المرأتين أو المرأة والرجل ويكون ذلك في مقام البينة التي يثبت بها الحق ويكون عدم الأخذ بها مما يضيع الحق. والله ورسوله لا يرضيان عن ذلك وليس في الآية ولا في القرآن ولا في الأحاديث ما يمنع ذلك. ولقد تطرق ابن القيم إلى هذه الحالة أيضا ونقل عن
الإمام ابن تيمية تسويغه الأخذ بشهادة المرأة فيها. وأورد حديثا وصفه بالصحيح عن عقبة بن الحرث: «أنه سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قائلا: تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فقالت إنها أرضعتنا فأمره بفراق امرأته. فقال إنها كاذبة فقال دعها عنك» .
وعقب على هذا بقوله إن في هذا قبولا بشهادة المرأة الواحدة وإن كانت أمة.
12 -لقد استطرد المفسرون بمناسبة الآية إلى شهادة النساء في غير شئون الدين. وأوردوا أقوالا لبعض علماء التابعين وبعض أئمة الفقه ولأنفسهم تفيد أن شهادة النساء غير جائزة ولا مقبولة في العقوبات والحدود ولو في نطاق النصاب المذكور في الآية فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ ولا تقبل إلّا في الأموال وما من العادة أن تعرفه وتشهده كالولادة والرضاع والبكارة والثيوبة ونحو ذلك. وليس في القرآن ما يؤيد هذا القول ولم نطلع على حديث صحيح يؤيده كذلك، والحديث الذي أوردناه قبل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ورواه أبو داود والترمذي (الفقرة 9) ينص على كون المردود شهادتهم هم الخائن والخائنة والزاني والزانية وذو الغمر والقانع (التابع) لمستخدميه. وآيات سورة الحجرات والنور التي أوردناها في الفقرة المذكورة ترد شهادة الفاسق وقاذف المحصنات وحسب.
وكل هذا يجعلنا نتوقف في منع قبول شهادة المرأة في الحدود والعقوبات.