ولقد ناقش ابن القيم هذه المسألة أيضا وانتهى إلى القول إن النصوص القرآنية والآثار النبوية لا تقيد شهادة المرأة في أمور دون أمور وإن شهادتها تصح في جميع الشئون. واستشهد في ذلك إلى جملة وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ في الآية [2] من سورة الطلاق وإلى جملة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ في آية سورة المائدة [106] قائلا: إن المتفق عليه أن كل خطاب بصيغة الجمع المخاطب المذكور للمؤمنين في القرآن يشمل المؤمنين والمؤمنات حقا إذا لم يكن فيه قرينة مخصصة وهذا حق وصواب. وقد يكون من الدلائل عليه جملة:
شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ [282] في الآية التي نحن في صددها دون آيات الطلاق والمائدة. ويصح أن يقال إن جملة: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ في آية سورة النساء وجملة: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ في آية سورة النور [4] من هذا الباب. وهذا كله يسيغ القول أيضا إن شهادة المرأة في غير مسألة الدين معادلة لشهادة الرجل مع التذكير بما أوردناه في الفقرتين 10 و 11 في صدد هذه المسألة.
وإذا لحظنا أن من الحدود حدّ الزنا الذي أمرت آية النساء [15] استشهاد أربعة عليه وأن احتمال مشاهدة المرأة لهذه الجريمة أقوى بدا لنا ذلك المنع أكثر غرابة. ولا ندري ماذا يقول المانعون إذا لم يكن مشاهدو جرائم القتل والزنا والسرقة وهي التي قرر القرآن لها العقوبات والحدود غير نساء. فهل تذهب هذه الجرائم هدرا بغير عقاب، وإن الله ورسوله ليأبيان ذلك والله تعالى أعلم. انتهى انتهى {التفسير الحديث. 6/} ...