الأول عن القفال: أنه تعالى لما أباح ترك الكتبة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً، ثم كان من الجائز أن يكون هذا الظن خطأ وأن يخرج المديون جاحداً للحق، وكان من الممكن أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم، ندب الله ذلك الإنسان أن يشهد لصاحب الحق بحقه، سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لا، وشدد فيه بأن جعله إثم القلب لو تركه. وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله صلى الله عليه وسلم:"خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد"وقيل: المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة. وقيل: المراد بالكتمان الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، فإن فِي ذلك إبطال حق المسلم، وحرمه مال المسلم كحرمة دمه، فلهذا بالغ فِي الوعيد وقال {ومن يكتمها فإنه اثم قلبه} والآثم الفاجر، والآثم مرتفع بأن و {قلبه} فاعله. ويجوز أن يكون {قلبه} مبتدأ و {آثم} خبره مقدماً عليه، والجملة خبر"إن".
وفائدة ذكر القلب والشخص بجملته آثم لا قلبه وحده، هو أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث فِي القلب من الدواعي والصوارف، وإسناد الفعل إلى القلب الذي هو محل الاقتراف ومعدن الاكتساب أبلغ كما يقال عند التوكيد: هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن فِي جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب"وزعم كثير من المتكلمين أن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب، {والله بما تعملون عليم} فيه تحذير للكاتم وتهديد له. عن ابن عباس: أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى: {فقد حرم الله عليه الجنة} وشهادة الزور وكتمان الشهادة. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 2 صـ 73 - 81}