وَمِنْ مَضَرَّاتِ الْمَيْسِرِ مَا نَبَّهَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - وَلَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ - وَهُوَ إِفْسَادُ التَّرْبِيَةِ بِتَعْوِيدِ النَّفْسِ الْكَسَلَ وَانْتِظَارَ الرِّزْقِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْوَهْمِيَّةِ ، وَإِضْعَافِ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ ، بِتَرْكِ الْأَعْمَالِ الْمُفِيدَةِ فِي طُرُقِ الْكَسْبِ الطَّبِيعِيَّةِ ، وَإِهْمَالِ الْيَاسِرِينَ (الْمُقَامِرِينَ) لِلزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الْعُمْرَانِ .
وَمِنْهَا - وَهُوَ أَشْهَرُهَا - تَخْرِيبُ الْبُيُوتِ فَجْأَةً بِالِانْتِقَالِ مِنَ الْغِنَى إِلَى الْفَقْرِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَكَمْ مِنْ عَشِيرَةٍ كَبِيرَةٍ نَشَأَتْ فِي الْغِنَى وَالْعِزِّ ، وَانْحَصَرَتْ ثَرْوَتُهَا فِي رَجُلٍ أَضَاعَهَا عَلَيْهَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَصْبَحَتْ غَنِيَّةً وَأَمْسَتْ فَقِيرَةً لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى أَنْ تَعِيشَ عَلَى مَا تَعَوَّدَتْ مِنَ السَّعَةِ وَلَا مَا دُونَ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فِي الْخَمْرِ فَأَهَمُّهَا التِّجَارَةُ ، فَقَدْ كَانَتْ وَلَا تَزَالُ مَوْرِدًا كَبِيرًا لِلثَّرْوَةِ وَمَادَّةً عَظِيمَةً لِلتِّجَارَةِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَغَلَبَ عُلَمَاءُ الْإِفْرِنْجِ عَلَى جُهَّالِهِمْ وَأَبْطَلُوا عَمَلَ الْخُمُورِ وَبَيْعَهَا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا مَا يُعْمَلُ سِرًّا كَمَا هُوَ شَأْنُ النَّاسِ فِي اللَّذَّاتِ الْمَمْنُوعَةِ . وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْخُو فِي شِرَاءِ الْخَمْرِ مَا لَا تَسْخُو فِي غَيْرِهَا ، وَكَانُوا
يَعُدُّونَ تَرْكَ الْمُمَاكَسَةِ فِيهَا مَكْرُمَةً وَفَضِيلَةً ، فَيَكْثُرُ رِبْحُ مُجْتَلِبِهَا وَبَائِعِهَا .