أما من ارتد عن دينه، ولم يمت وهو كافر، بل تاب عن ردته وكفره، فالله يقبل توبته بفضله.
واستدل الإمام الشافعي بالآية: عن أن الردة لا تحبط الأعمال، حتى يموت صاحبها عليها.
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) }
التفسير
218 - {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ... } الآية.
سبب النزول:
روى جعفر بن عبد اله، وعروة بن الزبير، وغيرهما، أن الآية السابقة، لما نزلت: اطمأن عبد الله بن جحش ومن معه، إلى أنهم لم يرتكبوا إثما في قتال المشركين في الشهر الحرام، وظن بعضهم أن الآية السابقة نفت عنهم الإثم فقط، فقالوا: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر. فقال عبد الله بن جحش ومن معه: يا رسول الله، أَنطمع أن يكون لنا غزوة نُعْطَى فيها أجر المجاهدين؟. فأنزل الله هذه الآية، ليبين أمرهم وأمر كل من آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله.
والمعنى: أن المؤمنين الصادقين: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وتركوا أموالهم وديارهم، حرصًا على دينهم وتمسكًا به، وجمعوا - إلى الإيمان والهجرة - بذل الجهد في طاعة الله، والقتال في سبيل إعلاء كلمة الله - إن هؤُلاء جمعوا هذه الصفات - هم على رجاءٍ وأمل في رحمة الله: ينتظرون ذلك ويطمعون فيه، جزاء إيمانهم وهجرتهم، وجهادهم في سبيله، ثقة منهم بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
قال القرطبي: وإنما قال: يرجون - وقَدْ مَدَحَهُمْ - لأنه لا يعلم أحد في الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين: أحدهما: أنه لا يدري بم يختم له، والثاني: لئلا يتكل على عمله، اهـ.
وقد ختم الله الآية بما يطمئن أولئك الذين قاتلوا في الشهر الحرام فقال:
{وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} :
أي: والله سبحانه واسع المغفرة، عظيم الرحمة، بمن آمن به، وهاجر إليه، وجاهد في سبيله، قاصدًا وجهه الكريم، إن اجتهد فأَخطأَ، فما بالك بمن اجتهد فأصاب، كعبد الله بن جحش!