أي ما يُفتن به المسلمون ويُعذبون به، أكبر إثمًا عند الله من القتل. وقد بالغ المشركون في إيقاع الأذى بالمسلمين، لصرفهم عن دينهم فقد عذَّبوا ياسرًا والد عمَّار: كانوا يكوونه بالنار ليرتَدَّ عن الإسلام، حتى مات في العذاب.
وعَذَّب أَبو جهل، سُميَّةَ أُم عمار زوجة ياسر، تعذيبًا شديدًا، ثم طعنها بين فخذيها بحَرْبَةٍ طعنةً قضت عليها.
وأُوذِيَ عمَّار بن ياسر في الله، حتى حملوه على كلمة الكفر فقالها تقية وغفرها الله له. وكان أُمَيَّةُ بن خلف يُعَذِّبُ بلالًا، فيجيعه ويعطشه ويطرحه في الرمضاءِ، ويضع على صدره الصخر، ويكويه بالنار، ليرتد عن الإسلام.
وغيرهم كثير، بل لم يَسْلَمِ النبي - صلى الله عليه وسلم - من إيذاءِ قومه. وأخيرًا تآمروا على قتله للقضاء على رسالته السماوية، فنجَّاه الله بالهجرة إلى المدينة.
ومن هنا، كانت الفتنة أكبر من القتل، لأَنها قتل بطيءٌ مصحوب بالتعذيب والتنكيل.
وقيل المراد بالفتنة: الشِّرك والكفر.
{وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} :
أي هم لم يكتفوا بالصد عن سبيل الله والكفر به، ولم يقتنعوا بتعذيبكم وإخراجكم من دياركم، بل لا يزالون يفتنونكم، بشن الحروب عليكم لإبادتكم، أو صرفكم عن دينكم القويم إن استطاعوا، وسيظل شأْن الكفار مع المسلمين مستقبلًا كذلك.
ولا شك في أن مقابلة العدوان - بمثله - أمر مشروع.
والتعبير بحرف الشرط (إنْ) لاستبعاد استطاعتهم صرفَهم عن دينهم.
ثم حذرهم فقال:
{وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} :
أي من يستجيب منكم لهؤُلاء المشركين، فيرجع عن دينه إلى دينهم، فيمت وهو كافر: بطل كل عمل صالح قدمه، وخسر الدنيا والآخرة.
وفي هذا إنذار شديد، لمن تحدثه نفسه - من ضعفاء الإيمان - بالارتداد.
(وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) :
أي وأُولئك المرتدون عن دينهم أهل النار، هم فيها خالدون، إذا ماتوا وهم كافرون. ولا يغني عنهم إيمانهم السابق عن الردة.