إذا ثبت صحة هذا القول فنقول: أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية على التجارة فِي أيام الحج ، وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج ، قال والتقدير: فاتقون فِي كل أفعال الحج ، ثم بعد ذلك {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} ونظيره قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله} [الجمعة: 10] .
واعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه أحدها: الفاء فِي قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات} يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد انتفاء الفضل ، وذلك يدل على وقوع التجارة فِي زمان الحج وثانيها: أن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لأعلى موضع الشبهة ومعلوم أن محل الشهبة هو التجارة فِي زمن الحج ، فأما بعد الفراغ من الحج فكل أحد يعلم حل التجارة.
أما ما ذكره أبو مسلم من قياس الحج على الصلاة فجوابه: أن الصلاة أعمالها متصلة فلا يصح فِي أثنائها التشاغل بغيرها ، وأما أعمال الحج فهي متفرقة بعضها عن بعض ، ففي خلالها يبقى المرء على الحكم الأول حيث لم يكن حاجاً لا يقال: بل حكم الحج باق فِي كل تلك الأوقات ، بدليل أن حرمة التطيب واللبس وأمثالهما باقية ، لأنا نقول: هذا قياس فِي مقابلة النص فيكون ساقطاً.
القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: {أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} هو أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجاً أعمالاً أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ورحمته مثل إعانة الضعيف ، وإغاثة الملهوف ، وإطعام الجائع ، وهذا القول منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام ، واعترض القاضي عليه بأن هذا واجب أو مندوب ، ولا يقال فِي مثله: لا جناح عليكم فيه ، وإنما يذكر هذا اللفظ فِي المباحات.