وروى ابن إسحاق، وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى قال: مر شاس بن قيس - وكان يهوديًا - على نفر من الأوس والخزرج يتحدثون، فغاظه ما رأى من تألُّفهم بعد العداوة، فأمر شابًا معه من يهود أن يجلس بينهم، فيذكرهم يوم بعاث، ففعل، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان؛ أوس بن قيظي من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان، وتواثبوا للقتال، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء حتى وعظهم، وأصلح بينهم، فسمعوا وأطاعوا، فأنزل الله تعالى في أوس وجبار: يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100)
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [سورة آل عمران: 100 - 103] الآية.
وقال أهل الأخبار: كان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بين القبيلتين عداوة بسبب قتيل، فتطاولت تلك العداوة والحرب بينهم عشرين ومئة سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألَّف بينهم برسوله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرهم الله تعالى بقوله: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران: 103] .
قال ...: والآية شاملة للأنصار وغيرهم ممن كانوا متعادين في الجاهلية متدابرين حتى امتن الله عليهم بالإسلام، فتحابوا وتواصلوا في ذات الله، وتعاونوا على البر والتقوى.