(ليت دموعي بمنى سبلت ... لِيَشْرَبَ الْحُجَّاجُ مِنْ زَمْزَمَيْنِ)
(سَبَب فَرِيضَة الصّيام)
فَإِن قيل لم فرض رَمَضَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا؟
فَالْجَوَاب أَنه قيل إِن الْوُقُوف على الصِّرَاط ثَلَاثِينَ سنة فَإِذا صمت ثَلَاثِينَ يَوْمًا أعانك الله فِي الْموقف بالعافية والسلامة والسعادة والكرامة ثَلَاثِينَ سنة.
فَالله الله جدوا واجتهدوا فِي هَذَا الشَّهْر بِلَا إفراط وخذوا لأنفسكم بِالِاحْتِيَاطِ واحذروا من الْمكْث الطَّوِيل على الصِّرَاط
(رَمَضَان رَسُول من الله)
قيل مثل هَذَا الشَّهْر كَمثل رَسُول أرْسلهُ سُلْطَان إِلَى قوم فَإِن أكْرمُوا شَأْنه وعظموا مَكَانَهُ وشرفوا مَنْزِلَته وَعرفُوا فضيلته رَجَعَ الرَّسُول إِلَى السلطات شاكرا لأفعالهم مادحا لأحوالهم رَاضِيا لأعمالهم فيحبهم السُّلْطَان على ذَلِك فَيحسن إِلَيْهِم كل الْإِحْسَان
وَإِن استخفوا برعايته وهونوا لعنايته وَلم ينزلوه مَنْزِلَته من الْإِكْرَام وفعلوا بِهِ فعل اللئام فَيرجع الرَّسُول إِلَى السُّلْطَان وَقد غضب عَلَيْهِم من قَبِيح أفعالهم وسيء أَعْمَالهم فيغضب السُّلْطَان لغضبه
كَذَلِك يغْضب الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على من استخف بِحرْمَة شهر رَمَضَان
فيا أَيهَا الْإِنْسَان هَذَا شهر رَمَضَان شهر التَّوْبَة والغفران وَهُوَ رَسُول من عِنْد الْملك الديَّان فَمن أكْرمه مِنْكُم حَقِيقَة الْإِكْرَام وَحفظ فِيهِ لِسَانه من قَبِيح الْكَلَام وبطنه من أكل الرِّبَا وَالْحرَام وأموال الأرامل والأيتام غفر لَهُ الْملك العلام وَأدْخلهُ الْجنَّة مَعَ مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
(فصل في انْتِصَافِ شَهْرِ رَمَضَانَ)
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا قَدِ انْتَصَفَ، فَهَلْ فِيكُمْ مَنْ قَهَرَ نَفْسَهُ وَانْتَصَفَ، وَهَلْ فِيكُمْ مَنْ قَامَ فِيهِ بِمَا عَرَفَ، وَهَلْ تَشَوَّقَتْ هِمَمُكُمْ إِلَى نَيْلِ الشَّرَفِ، أَيُّهَا الْمُحْسِنُ فِيمَا مَضَى مِنْهُ دُمْ، وَأَيُّهَا الْمُسِيءُ وَبِّخْ نَفْسَكَ عَلَى التَّفْرِيطِ وَلُمْ، إِذَا خَسِرْتَ فِي هَذَا الشَّهْرِ مَتَى تَرْبَحُ، وَإِذَا لَمْ تُسَافِرْ فيه نحو الفوائد فمتى تبرح. كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: كَانَ يُقَالُ مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي رَمَضَانَ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ!