وَإِشَارَة أُخْرَى كَانَ ليعقوب أحد عشرا ولدا ذُكُورا وَبَين يَدَيْهِ حاضرين ينظر إِلَيْهِم ويراهم ويطلع على أَحْوَالهم وَمَا يبدوا من أفعالهم وَلم يرْتَد بَصَره بِشَيْء من ثِيَابهمْ وارتد بقميص يُوسُف بَصيرًا وَصَارَ بَصَره منيرا وَصَارَ قَوِيا بعد الضعْف بَصيرًا بعد الْعَمى، فَكَذَلِك المذنب العَاصِي إِذا شم رَوَائِح رَمَضَان وَجلسَ فِيهِ مَعَ المذكرين وَقَرَأَ الْقُرْآن وصحبهم بِشَرْط الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَترك الْغَيْبَة وَقَول الْبُهْتَان يصير إِن شَاءَ الله مغفورا لَهُ بعد مَا كَانَ عَاصِيا وقريبا بعد مَا كَانَ قاصيا ينظر بِقَلْبِه بعد الْعَمى ويسعد بِقُرْبِهِ بعد الشقا ويقابل بِالرَّحْمَةِ بعد السخط ويرزق بِلَا مؤونة وَلَا تَعب ويوفق طول حَيَاته ويرفق بِقَبض روحه عِنْد الْوَفَاة ويفضل بالمغفرة عِنْد اللِّقَاء ويحظى فِي الْجنان بدرجات الالتقاء
فَالله الله اغتنموا هَذِه الْفَضِيلَة فِي هَذِه الْأَيَّام القليلة تعقبكم النِّعْمَة الجزيلة والدرجة الجليلة والراحة الطَّوِيلَة إِن شَاءَ الله
هَذِه وَالله الرَّاحَة الوافرة والمنزلة السائرة وَالْحَالة الرضية وَالْجنَّة السّريَّة وَالنعْمَة الهنية والعيشة الرضية لَا تنَال إِلَّا بالوقار لهَذَا الشَّهْر الَّذِي عظمه الْجَبَّار وَفضل بِهِ مُحَمَّد الْمُخْتَار وَمن لَا يوقره كَانَ مصيره إِلَى النَّار.
(موعظة لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ)
رُوِيَ أَن الْحسن الْبَصْرِيّ مر بِقوم يَضْحَكُونَ فَوقف عَلَيْهِم وَقَالَ إِن الله تَعَالَى قد جعل شهر رَمَضَان مضمارا لخلقه يَسْتَبقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ فَسبق أَقوام ففازوا وتخلف أَقوام فخابوا فالعجب للضاحك اللاعب فِي الْيَوْم الَّذِي فَازَ فِيهِ المسارعون وخاب فِيهِ الباطلون أما وَالله لَو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته
فَالله الله عباد الله اجتهدوا أَن تَكُونُوا من السَّابِقين وَلَا تَكُونُوا من الخائبين فِي شهر شرفه رب الْعَالمين
فَالله الله اصرفوا ضيفكم رَمَضَان بالكرامة واحرصوا فِيهِ على طلب طَرِيق الاسْتقَامَة إِلَى أَن يقْضِي بكم إِلَى دَار الْكَرَامَة والخلد والمقامة وسرمد الْعِزّ والكرامة وينجيكم من هول يَوْم الطامة