ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ فِي الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ تَعْلِيلَاتٍ مُرَتَّبَةً بِأُسْلُوبِ النَّشْرِ عَلَى اللَّفِّ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ عَامِلٍ فِي جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الْمَاضِيَةِ ; أَيْ: شَرَعَ لَكُمْ مَا ذَكَرَ مِنْ صِيَامِ أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ هِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ لِمَنْ شَهِدَهُ سَالِمًا صَحِيحًا لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْعِدَّةِ دُونَ عِدَّةِ الشَّهْرِ يُشْعِرُ بِمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّكْلِيفِ الْعَامِّ لِلصَّوْمِ هُوَ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ ، وَكَوْنُهَا رَمَضَانَ بِعَيْنِهِ خَاصٌّ بِمَنْ شَهِدَهُ مِمَّنْ لَمْ تَتَنَاوَلُهُ الرُّخْصَةُ ، وَهَذَا مِنْ دِقَّةِ الْقُرْآنِ الْغَرِيبَةِ وَبَلَاغَتِهِ الَّتِي لَا يَخْطُرُ مِثْلُهَا عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، وَشَرَعَ لَكُمُ الْقَضَاءَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي مَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ سَفَرٍ ; لِتُكَبِّرُوهُ وَتُعَظِّمُوا شَأْنَهُ عَلَى مَا هَدَاكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرُّخْصَةِ بِالْفِطْرِ وَالْعَزِيمَةِ بِالْقَضَاءِ ، وَشَرَعَ لَكُمُ الْفِدْيَةَ فِي حَالِ الْمَشَقَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ بِالصَّوْمِ ، وَأَرَادَ بِكُمُ الْيُسْرَ دُونَ الْعُسْرِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ ، وَقَدْ صَوَّرْنَا تَرْتِيبَ التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرُوهُ بِمَا نَرَاهُ أَوْضَحَ مِمَّا صَوَّرُوهُ بِهِ . هَذَا مَا كَتَبْتُهُ أَوَّلًا وَطُبِعَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى .