وَكَمَا تُؤَهِّلُ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةُ النُّفُوسَ الْمُتَحَلِّيَةَ بِهَا لِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ تُؤَهِّلُهَا لِسَعَادَةِ الدُّنْيَا أَيْضًا ، انْظُرْ هَلْ يُقْدِمُ مَنْ تُلَابِسُ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةُ قَلْبَهُ عَلَى غِشِّ النَّاسِ وَمُخَادَعَتِهِمْ ؟ هَلْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَرَاهُ اللهُ آكِلًا لِأَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ ؟ هَلْ يَحْتَالُ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ وَهَدْمِ هَذَا الرُّكْنِ الرَّكِينِ مِنْ أَرْكَانِ دِينِهِ ؟ هَلْ يَحْتَالُ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا ؟ هَلْ يَقْتَرِفُ الْمُنْكَرَاتِ جِهَارًا ؟ هَلْ يَجْتَرِحُ السَّيِّئَاتِ وَيَسْدُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ سِتَارًا ؟ كَلَّا . إِنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ لَا يَسْتَرْسِلُ
فِي الْمَعَاصِي ; إِذْ لَا يَطُولُ أَمَدُ غَفْلَتِهِ عَنِ اللهِ تَعَالَى ، وَإِذَا نَسِيَ وَأَلَمَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا يَكُونُ سَرِيعَ التَّذَكُّرِ قَرِيبَ الْفَيْءِ وَالرُّجُوعِ بِالتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (7: 201) فَالصِّيَامُ أَعْظَمُ مُرَبٍّ لِلْإِرَادَةِ ، وَكَابِحٍ لِجِمَاحِ الْأَهْوَاءِ ، فَأَجْدَرُ بِالصَّائِمِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا يَعْمَلُ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ خَيْرٌ ، لَا عَبْدًا لِلشَّهَوَاتِ .