وذلك لأن التمسك بهذه الفضائل. أداء الصلاة وإيتاء الزكاة. والوفاء بالعهود، والتذرع بالصبر - يدل على صفاء الإيمان وطهارة الوجدان وحسن الخلق وكمال الاستقامة.
وهكذا تجمع آية واحدة من كتاب الله بين بر العقيدة وبر العمل وبر الخلق، وتربط بين الجميع برباط واحد لا ينفصم، ونضع على هذا كله عنوانا واحدا «البر» وتمدح من استجمع أنواعه بالصدق والتقوى.
فلله هذا الاستقراء البديع، وذلك التوجيه السديد، الذي يشهد أن هذا القرآن من عند الله وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.
وبعد أن بين - سبحانه - أن البر الجامع لألوان الخير يتجلى في الإيمان بالله واليوم الآخر ..
وفي بذل المال في وجوه الخير، وفي المحافظة على فرائضه - سبحانه - وفي غير ذلك من أنواع الطاعات التي ذكرتها الآية السابقة بعد كل ذلك شرع - سبحانه - في بيان بعض الأحكام العملية الجليلة التي لا يستغنى عنها الناس في حياتهم، وبدأ هذه الأحكام بالحديث عن حفظ الدماء لماله من منزلة ذات شأن في إصلاح العالم - فقال - تعالى -:
[سورة البقرة (2) : الآيات 178 إلى 179]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178)
كُتِبَ من الكتب، وهو في الأصل ضم أديم إلى أديم بالخياطة. وتعورف في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأطلق على المضموم في اللفظ وإن لم يكتب بالخط، ومنه الكتابة، ويطلق الكتب والكتاب والكتابة على الإيجاب والفرض لأن الشأن فيما وجب ويفرض أن يراد ثم يقال ثم يكتب، ومنه «كتب عليكم الصيام» أي: فرض عليكم.