ومنهم من فضل فقال: يجوز القيام للقادم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقبله النبي صلى الله عليه وسلم حاكما في بنى قريظة، فرآه مقبلا قال للمسلمين: «قوموا إلى سيدكم» ، وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه - والله أعلم - .
فأما اتخاذه - أي القيام - دينا، فإنه من شعار الأعاجم .. وفي الحديث المروي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، وكان الصحابة يجلسون منه على مراتبهم، فالصديق عن يمينه، وعمر عن يساره، وبين يديه غالبا عثمان وعلى لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهما بذلك .. .
كذلك أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، فضل العلماء وسمو منزلتهم.
قال صاحب الكشاف: عن عبد الله بن مسعود أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية، ولترغبكم في العلم. وفي الحديث الشريف: «بين العالم والعابد مائة درجة» وفي حديث آخر: «فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم» .
وعن بعض الحكماء أنه قال: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأى شيء فات من أدرك العلم.
وعن الأحنف: كل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل يصير.
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى لون ثالث من الأدب السامي، فناداهم للمرة الثالثة بقوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
والمراد بقوله - تعالى - إِذا ناجَيْتُمُ: إذا أردتم المناجاة، كما في قوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ.
والمراد بقوله: بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ أي: قبل مناجاتكم للرسول صلى الله عليه وسلم بقليل، والكلام من باب الاستعارة التمثيلية. حيث شبهت هيئة قرب الشيء من آخر. بهيئة وصول الشخص إلى من يريد الوصول إليه، على سبيل تشبيه المعقول بالمحسوس.
واسم الإشارة في قوله: ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ يعود إلى تقديم الصدقة، والجملة بمنزلة التعليل للأمر بتقديمها.