وفي هذا الأمر تعظيم الرسول، ونفع الفقراء، والزجر عن الإفراط في السؤال، والتمييز بين المخلص والمنافق، ومحب الآخرة ومحب الدنيا. واختلف في أنه للندب أو للوجوب، لكنه نسخ بقوله تعالى: {أَأَشْفَقْتُمْ ...} الآية، وهو وإن كان متصلًا به تلاوةً لكنه متراخ عنه نزولًا على ما هو شأن الناسخ. واختلف في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقيل: كان ساعة من النهار، والظاهر: أنه عشرة أيام؛ لما روي عن علي رضي الله عنه، كما قاله مقاتل بن حيان. وقال الكلبي: كان ذلك ليلة واحدة. وقال قتادة: ما كان ذلك إلا ساعة من نهار ثم نسخ. وهذا لا ينافي الجلوس في مجلسه المبارك، والتكلم معه لمصلحة دينية أو دنيوية بدون النجوى، إذ المناجاة تكلم خاص، وعدم الخاص لا يقتضي عدم العام.
والمعنى: أي أيها المؤمنون إذا أراد أحد منكم أن يناجي الرسول ويسارّه فيما بينه وبينه .. فليقدم صدقة قبل هذا؛ لما في ذلك من تعظيم أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ونفع الفقراء والتمييز بين المؤمن حقًا والمنافق، ومن دفع التكاثر عليه - صلى الله عليه وسلم - من غير حاجة ملحة إلى ذلك.
ثم ذكر العلة في هذا فقال: {ذَلِكَ} التصدق بين يدي نجواكم {خَيْرٌ لَكُمْ} أيها المؤمنون من إمساكه؛ لما فيه من طاعة الله تعالى، {وَأَطْهَرُ} لأنفسكم من دنس الريبة ودرن البخل الناشئ من حب المال الذي هو من أعظم حب الدنيا، وهو رأس كل خطيئة. وتقييد الأمر يكون امتثاله خيرًا لهم من عدم الامتثال وأطهر لنفوسهم ... يدل على أنه أمر ندب لا أمر وجوب، لكن قوله فيما بعد: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا} منبئ عن الوجوب؛ لأنه ترخيص لمن لم يجد، والظاهر: عدم الوجوب.
والمعنى: أن في هذا التقديم خيرًا لكم؛ لما فيه من الثواب العظيم عند ربكم، ومن تزكية النفوس وتطهيرها من الجشع في جمع المال وحب ادّخاره، وتعويدها بذله في المصالح العامة؛ كإغاثة ملهوف، ودفع خصاصة فقير، وإعانة ذي حاجة والنفقة في كل ما يرقي شأن الأمة ويرفع من قدرها ويعلي كلمتها، ويؤيد الدين، وينشر دعوته.