قال القاضي والأكثر في الروايات: أنه عليه السلام تفرد بالتصدق قبل مناجاته ، ثم ورد النسخ ، وإن كان قد روي أيضاً أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، وإن ثبت أنه اختص بذلك فلأن الوقت لم يتسع لهذا الغرض ، وإلا فلا شبهة أن أكابر الصحابة لا يقعدون عن مثله ، وأقول على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، فهذا لا يجر إليهم طعناً ، وذلك الإقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير ، فإنه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه ، ويوحش قلب الغني فإنه لما لم يفعل الغني ذلك وفعله غيره صار ذلك الفعل سبباً للطعن فيمن لم يفعل ، فهذا الفعل لما كان سبباً لحزن الفقراء ووحشة الأغنياء ، لم يكن في تركه كبير مضرة ، لأن الذي يكون سبباً للألفة أولى مما يكون سبباً للوحشة ، وأيضاً فهذه المناجاة ليست من الواجبات ولا من الطاعات المندوبة ، بل قد بينا أنهم إنما كلفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة ، ولما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة لم يكن تركها سبباً للطعن.
المسألة الرابعة:
روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: لما نزلت الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"ما تقول في دينار ؟"قلت: لا يطيقونه ، قال:"كم ؟"قلت: حبة أو شعيرة ، قال:"إنك لزهيد"والمعنى إنك قليل المال فقدرت على حسب حالك.
أما قوله تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ} أي ذلك التقديم في دينكم وأطهر لأن الصدقة طهرة.
أما قوله: {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فالمراد منه الفقراء ، وهذا يدل على أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفواً عنه.
المسألة الخامسة: