وقيل: نزلت في غزوة تبوك يعني الإِنفاق بتجهيز جيش العُسْرة قاله ابن عطية عن الضحاك ، فتكون الآية مدنية ويكون قوله: {آمنوا} أمراً بالدوام على الإِيمان كقوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله} [النساء: 136]
ويجوز أن يكون أمراً لمن في نفوسهم بقية نفاق أو ارتياب ، وأنهم قبضوا أيديهم عن تجهيز جيش العُسرة كما قال تعالى: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض إلى قوله: ويقبضون أيديهم} [التوبة: 67] ، فهم إذا سمعوا الخطاب علموا أنهم المقصود على نحو ما في آيات سورة براءة ، ولكن يظهر أن سنَة غزوة تبوك لم يبق عندها من المنافقين عدد يعتد به فيوجه إليه خطاب كهذا.
وجيء بالموصول في قوله: {مما جعلكم مستخلفين فيه} دون أن يقول: وأنفقوا من أموالكم أو مما رزقكم الله لما في صلة الموصول من التنبيه على غفلة السامعين عن كون المال لله جعلَ الناسَ كالخلائف عنه في التصرف فيه مدةً مَّا ، فلما أمرهم بالإِنفاق منها على عباده كان حقاً عليهم أن يمتثلوا لذلك كما يمتثل الخازن أمرَ صاحب المال إذا أمره بإنفاذ شيء منه إلى من يعيِّنه.
والسين والتاء في {مستخلفين} للمبالغة في حصول الفعل لا للطلب لاستفادة الطلب من فعل {جعلكم} .
ويجوز أن تكون لتأكيد الطلب.
والفاء في قوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} تفريع وتسبب على الأمر بالإيمان والإِنفاق لإِفادة تعليله كأنه قيل لأن الذين آمنوا وأنفقوا أعددنا لهم أجراً كبيراً.
والمعنى على وجه كون الآية مكية: أن الذين آمنوا من بينكم وأنفقوا ، أي سبقوكم بالإِيمان والإِنفاق لهم أجر كبير ، أي فاغتنموه وتداركوا ما فاتوكم به.
و (مِن) للتبعيض ، أي الذين آمنوا وهم بعض قومكم.
وفي هذا إغراء لهم بأن يماثلوهم.
ويجوز أن يكون فعلا المضيِّ في قوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا} مستعملان في معنى المضارع للتنبيه عن إيقاع ذلك.