وبه يجاب عما يرويه كثير من تعدد سبب النزول ، فاحفظه ، فإنه من المضنون به على غير أهله . ولو وقف عليه ابن عطية لما ضعف رواية البخاري ، ولما تمحل ابن حجر لتفكيك الآيات بجعل بعضها لسبب . وبعضها الآخر ، في قصة واحدة . وبالله التوفيق . وقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [6] .
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} أي: فاستظهروا صدقه من كذبه ، بطريق آخر كراهة: {أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ} أي: قوماً براء مما قذفوا به بغية أذيتهم بجهالة لاستحقاقهم إياها ، ثم يظهر لكم عدم استحقاقهم: {فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} أي: فتندموا على إصابتكم إياها بالجناية التي تصيبونهم بها ، وحق المؤمن أن يحترز مما يخاف منه الندم في العواقب .
تنبيهات:
الأول - قال ابن كثير: ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق . وقد روي ذلك من طرق . ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية مالك عن ابن المصطلق ، وهو الحارث بن ضرار والد جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها . قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق ، حدثنا عيسى بن دينار ، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخُزَاعِي رضي الله عنه يقول: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاني إلى الإسلام ، فدخلت فيه ، وأقررت به ، ودعاني إلى الزكاة ، فأقررت بها وقلت: يا رسول الله ! أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام ، وأداء الزكاة ، فمن استجاب لي جمعت زكاته ، وأرسل إليّ يا رسول الله رسولاً إبّان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة .