وإنما قال {ولا تنابزوا} ولم يقل ولا تنبزوا على منوال {ولا تلمزوا} لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط. ثم أكد النهي عن التنابز بقوله {بئس الاسم} أي الذكر {الفسوق} وفي قوله {بعد الإيمان} وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول"بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة"أي معها. وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه ، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه. وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة"بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة"فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان {ومن لم يتب} عما نهي عنه {فأولئك هم الظالمون} لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي. كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن} فيه تأديب آخر. ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب. وإنما قال {كثيراً} ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي"أنا عند ظن عبدي بي"قال النبي صلى الله عليه وسلم"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله"وقال"إن حسن الظن من الإيمان"ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح. عن النبي صلى الله عليه وسلم"إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء"وهو الذي أمر في الآية باجتنابه. ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم"من الحزم سوء الظن"وعن النبي صلى الله عليه وسلم"احترسوا من الناس بسوء الظن"ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية. قال أهل المعاني: