ولا جائز أن يصرف قولهم: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) إلى قولهم: (شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) . أي: كاذبين في العذر، ولكن طلبوا الاستغفار حقيقة، لا يقال هذا؛ لأنهم كانوا صادقين في أن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن ذلك؛ فلا يمكن صرف الآية إلى ذلك، واللَّه الموفق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا) .
قد ذكرنا أن حرف الاستفهام من اللَّه تعالى يكون على الإيجاب، فينظر أن لو كان ذلك السؤال من مستفهم كيف يجاب له؟ فيكون من اللَّه تعالى على الإيجاب: أن لا أحد يملك لكم نفعًا إن كان اللَّه أراد بكم ضرا، ولا أحد يملك لكم ضرا إن كان اللَّه أراد بكم نفعًا، يخبر أنكم وإن تخلفتم لحفظ أموالكم وأهليكم، فإن اللَّه تعالى لو أراد بكم ضرًّا لا تملكون دفعه عن أنفسكم، وإن تتخلفوا ولكن خرجتم معه، فلا يملك أحد الضرر لكم، غير أنه لا عذر له في التخلف عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - .
ثم أوعدهم فقال: (بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) جعل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنفس المنافقين وصنيعهم آية ودلالة على رسالة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - في حق المنافقين، حين كان يطلع رسوله على جميع ما أسروا في أنفسهم وأضمروا في قلوبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك باللَّه - جل وعلا - وجعل الآية له في حق غيرهم من الكفرة من غير صنيعهم وأنفسهم حتى علموا بذلك أنه باللَّه قدر على ذلك، واللَّه أعلم.