وذلك الانتقام ما أوقعه الله بقوم نوح ، وعاد ، وثمود {فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين} من تلك الأمم ، فإن آثارهم موجودة.
{وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأبِيهِ وَقَوْمِهِ} أي: واذكر لهم وقت قوله لأبيه ، وقومه الذين قلدوا آباءهم ، وعبدوا الأصنام {إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ} البراء مصدر نعت به للمبالغة ، وهو يستعمل للواحد ، والمثنى ، والمجموع ، والمذكر ، والمؤنث.
قال الجوهري: وتبرأت من كذا ، وأنا منه براء وخلاء ، لا يثنى ، ولا يجمع ، لأنه مصدر في الأصل ، ثم استثنى خالقه من البراءة ، فقال: {إِلاَّ الذي فَطَرَنِى} أي: خلقني {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} سيرشدني لدينه ، ويثبتني على الحق ، والاستثناء إما منقطع ، أي: لكن الذي فطرني ، أو متصل من عموم ما ، لأنهم كانوا يعبدون الله ، والأصنام ، وإخباره بأنه سيهديه جزماً لثقته بالله سبحانه ، وقوّة يقينه {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ} الضمير في: {جعلها} عائد إلى قوله: {إِلاَّ الذي فَطَرَنِى} ، وهي بمعنى التوحيد ، كأنه قال: وجعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم ، وهم: ذرّيته ، فلا يزال فيهم من يوحد الله سبحانه ، وفاعل جعلها: إبراهيم ، وذلك حيث وصاهم بالتوحيد ، وأمرهم بأن يدينوا به كما في قوله: {ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة: 132] الآية ، وقيل: الفاعل هو الله عزّ وجلّ ، أي: وجعل الله عزّ وجلّ كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم ، والعقب: من بعد.
قال مجاهد ، وقتادة: الكلمة لا إله إلاّ الله لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة.
وقال عكرمة: هي: الإسلام.
قال ابن زيد: الكلمة هي قوله: {أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين} [البقرة: 131] ، وجملة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تعليل للجعل ، أي: جعلها باقية رجاء أن يرجع إليها من يشرك منهم بدعاء من يوحد.