وفي الانتصاف أن في هذه الآية نكتتين بديعتين الأولى الدلالة على أن النكرة الواقعة في سياق الشرط تفيد العموم وهي مسألة أضطرب فيها الأصوليون وإمام الحرمين من القائلين بإفادتها العموم حتى استدرك على الأئمة إطلاقهم القول بأن النكرة في سياق الإثبات تخص ، وقال إن الشرط يعم النكرة في سياقه تعم وقد رد عليه الفقيه أبو الحسن على الأبياري شارح كتابه رداً عنيفاً ، وفي هذه الآية للإمام ومن قال بقوله كفاية ، وذلك أن الشيطان ذكر فيها منكراً في سياق شرط ونحن نعلم أنه إنما أريد عموم الشياطين لا واحد لوجهين.
أحدهما أنه قد ثبت أن لكل أحد شيطاناً فكيف بالعاشي عن ذكر الله تعالى والآخر من الآية وهو أنه أعيد عليه الضمير مجموعاً في قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ} فإنه عائد إلى الشيطان قولاً واحداً ولولا إفادته عموم الشمول لما جاز عود ضمير الجمع عليه بلا أشكال ، فهذه نكتة تجد عند سماعها المخالفي هذا الرأي سكتة.
والنكتة الثانية أن فيها رداً على من زعم أن العود على معنى من يمنع من العود على لفظها بعد ذلك واحتج لذلك بأنه إجمال بعد تفسير ، وهو خلاف المعهود من الفصاحة وقد نقض ذلك الكندي وغيره بآيات ، واستخرج جدي من هذه الآية نقض ذلك أيضاً لأنه أعيد الضمير على اللفظ في {يَعْشُ وَلَهُ} وعلى المعنى في {لَيَصُدُّونَهُمْ} ثم على اللفظ في {حتى إِذَا جَاءنَا} [الزخرف: 38] وقد قدمت أن الذي منع قد يكون اقتصر بمنعه على مجيء ذلك في جملة واحدة وأما إذا تعددت الجمل واستقلت كل بنفسها فقد لا يمنع ذلك انتهى.