وإيثار لفظ {سخرياً} في الآية دون غيره لتحمُّله للمعنيين وهو اختيار من وجوه الإعجاز فيجوز أن يكون المعنى ليتعمل بعضهم بعضاً في شؤون حياتهم فإن الإنسان مدني، أي محتاج إلى إعانة بعضه بعضاً، وعليه فسّر الزمخشري وابن عطية وقاله السُّدي وقتادة والضحاك وابن زيد، فلام {ليتخذ} لام التعليل تعليلاً لفعل {قسمنا} ، أي قسمنا بينهم معيشتهم، أي أسبابَ معيشتهم ليستعين بعضهم ببعض فيتعارفوا ويتجمعوا لأجل حاجة بعضهم إلى بعض فتتكون من ذلك القبائل والمدن.
وعلى هذا يكون قوله: {بعضهم بعضاً} عاماً في كل بعض من النّاس إذ ما من أحد إلا وهو مستعمِل لغيره وهو مستعمَل لغيرٍ آخر.
ويجوز أن تكون اسماً من السُّخرية وهي الاستهزاء.
وحكاه القرطبي ولم يعيّن قائله وبذلك تكون اللام للعاقبة مثل {فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحَزَناً} [القصص: 8] وهو على هذا تعريض بالمشركين الذين استهزؤوا بالمؤمنين كقوله تعالى: {فاتّخذتموهم سُخْريّاً} في سورة قد أفلح المؤمنون (110) .
وقد جاء لفظ السخري بمعنى الاستهزاء في آيات أخرى كقوله تعالى: {فاتّخذتموهم سخريّاً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون} [المؤمنون: 110] وقوله: {أتَّخَذْناهم سُخرياً أم زاغت عنهم الأبصار} [ص: 63] .
ولعل الذي عدل ببعض المفسرين عن تفسير آية سورة الزخرف بهذا المعنى استنكارُهم أن يكون اتخاذُ بعضهم لبعض مَسخرة علةً لفعل الله تعالى في رفعه بعضهم فوق بعض درجات، ولكنَّ تأويل اللّفظ واسع في نظائره وأشباهه.
وتأويل معنى اللام ظاهر.