فضمير الرفع في {جعلها} عائد إلى إبراهيم وهو الظاهر من السياق والمناسب لقوله: {لعلهم يرجعون} ولأنه لم يتقدم اسم الجلالة ليعود عليه ضمير {جعلها} .
وحكى في"الكشاف"إنه قيل: الضمير عائد إلى الله وجزم به القرطبي وهو ظاهر كلام أبي بكر بن العربي.
والضمير المنصوب في قوله: {وجعلها} عائد إلى الكلام المتقدم.
وأنث الضمير لتأويل الكلام بالكلمة نظراً لوقوع مفعوله الثاني لفظ {كلمة} لأن الكلام يطلق عليه {كلمة} كقوله تعالى في سورة المؤمنين (100) {إنها كلمةٌ هو قائلها} أي قولَ الكافر {رَبِّ ارجعون لعلّي أعمل صالحاً فيما تَركْتُ} [المؤمنون: 99، 100] .
وقال تعالى: {كبرت كلمةٌ تخرج من أفواههم} [الكهف: 5] وهي قولهم: {اتّخذ الله ولداً} [البقرة: 116] وقد قال تعالى: {وأوصى بها إبراهيم بنيه} [البقرة: 132] ، أي بقَوله: {أسلمت لربّ العالمين} [البقرة: 131] فَأعاد عليها ضمير التأنيث على تأويل (الكلمة) .
واعلم أنه إنّما يقال للكلام كلمة إذا كان كلاماً سائراً على الألسنة متمثلاً به، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم"أصدق كلمة قالها شاعر كلمةُ لبيد: ألاَ كلُ شيء ما خلا الله باطل"أو كان الكلام مجعولاً شعاراً كقولهم: لا إله إلا الله كلمة الإسلام، وقال تعالى: {ولقد قالوا كلمة الكفر} [التوبة: 74] "."
فالمعنى: جعَل إبراهيم قوله: {إنني براءٌ مما تعبدون إلا الذي فطرني} [الزخرف: 26، 27] شعاراً لعقبه، أي جعلها هي وما يرادفها قولاً باقياً في عقبه على مرّ الزمان فلا يخلو عقب إبراهيم من موحدين لله نابذين للأصنام.