يعني جل وعلا أنه جعل لبني آدم ما يركبونه من الفلك التي هي السفن ، ومن الأنعام ليستوو أي يرتفعوا معتدلين على ظهوره ثم يذكروا في قلوبهم نعمة ربهم عليهم بتلك المركوبات ثم يقولوا بألسنتهم مع تفهم معنى ما يقولون {سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِين} [الزخرف: 13] .
وقوله:"سبحان"قد قدمنا في أول سورة بني إسرائيل معناه ، بإيضاح وأنه يدل على تنزيه الله جل وعلا أكمل التنزيه وأتمه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله والإشارة في قوله {هذا} راجعة إلى لفظ {مَا} من قوله: {مَا تَرْكَبُونَ} وجمع الظهور نظراً إلى معنى {مَا} ، لأن معناها عام شامل لكل ما تشمله صلتها ولفظها مفرد ، فالجمع في الآية باعتبار معناها ، والإفراد باعتبار لفظها.
وقوله: {الذي سَخَّرَ لَنَا هذا} أي الذي ذلل لنا هذا الذي هو ما نركبه من الأنعام والسفن لأن الأنعام لو لم يذللها الله لهم لما قدروا عليها ولا يخفى أن الجمل أقوى من الرجل ، وكذلك البحر لو لم يذلله لهم ويسخر لهم إجراء السفن فيه لما قدروا على شيء من ذلك.
وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي مطيقين.
والعرب تقول: أقرن الرجل للأمر وأقرنه إذا كان مطيقاً له كفؤاً للقيام به من قولهم: أقرنت الدابة للدابة ، بمعنى أنك إذا قرنتهما في حبل قدرت على مقاومتها ، ولم تكن أضعف منها ، فتجرها لأن الضعيف إذا لز في القرن أي الحبل ، مع القوي جره ولم يقدر على مقاومته ، كما قال جرير:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن... لم يستطع صولة البزل القناعيس
وهذا المعنى معروف في كلام العرب ، ومنه قول عمرو بن معد يكرب وقد أنشده قطرب لهذا المعنى:
لقد علم القبائل ما عقيل... لنا في النائبات بمقرنينا
وقوله ابن هرمة:
وأقرنت ما حملتني ولقلما... يطاق احتمال الصدياد عدو الهجر
وقول الآخر:
ركبتم صعبتي أشراً وحيفاً... ولستم للصعاب بمقرنينا