يرى أن الإقرار بأن الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق غير مستلزم للاعتراف بحدوثها ولو سلم
ذلك فلا يستلزم الاعتراف بالبعث لأن إنكارهم البعث ليس إلا لأنه غير ممكن والقدرة إنما
تتعلق بالممكن فهم مع اعترافهم لأنه تَعَالَى قادر عَلَى كل ممكن ينكرون البعث لعدم إمكانه
والْقَوْل بأن سلوك هذه الطريقة للإشعار بأن اتصافه تَعَالَى بما سرد من جلائل الصفات
والأفعال وبما يستلزم ذلك من البعث والْجَزَاء أمرٌ بيِّن لا ريب فيه وإن الحجة قائمة عليهم
شاءوا أو أبوا، ضعيف أَيْضًا لما عرفته من أن سبب إنكارهم البعث عدم إمكانه في زعمهم
وإن دعوى البديهة غير مسموعة في محل النزاع فلا بد من بيان إمكان البعث وقد بينه
الْمُصَنّف في أوائل سورة البقرة.
قوله: (ويجوز أن يكون مقولهم) أي ما ذكر في هذه الآية من الأوصاف كضمير
لعله مقولهم وقد ادعى السعدي أن ضمير يكون راجع إلَى (خلقهن العزيز العليم)
وضمير لعله راجع ما ذكر من الأوصاف إلَى آخر الآية ففيه تفكيك الضَّمير ولا ضمير فيه
عند قيام القرينة والأمر فيه سهل، وإنما الإشكال في أنه لما كان يصح أن يكون هذا
مقولًا لهم فما وجه تعرض كونه مقولًا له تَعَالَى وأنه حكاية بالْمَعْنَى مع التمحلات
البعيدة عن الأذهان السليمة فتدبر فإن العقل يتخير، وَأَيْضًا يؤيد هذا ما ذكرناه من البحث
وأنهم معترفون بأنه تَعَالَى العزيز العليم الخ. وإنكارهم البعث لعدم إمكانه في زعمهم
فلا يرد الإشكال بأنهم لا يصفونه تَعَالَى بهذه الأوصاف حتى يجاب بأنه لازم مقولهم
وبالْجُمْلَة بين الْكَلَامين تناقض صريح فليتأمل.
قوله: (وما بعده اسْتئْنَاف) وليس مقولًا لهم لمكان قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً)
الخ. والزَّمَخْشَريّ جعل هذا الْقَوْل مانعًا من كونه مقولًا لهم وجزم بأنه
مقول الله ولم يجوز كونه مقولًا لهم لقوله (فَأَنْشَرْنَا بِهِ) الخ. فأشار المصنف إلَى جوابه بأن قوله:
(الذي جعل لكم) الآية. [حِينَئِذٍ] استئناف أي ابتداء كلام من الله تَعَالَى وليس
من تتمة مقولهم.
قوله: (فتستقرون فيها) فيه إشَارَة إلَى أن الْكَلَام تشبيه بليغ صرح به في سورة النبأ
حيث قال أي إنها كالمهد للصبي مصدر سمي به ما يعهد لينوم عليه. وفيه إشَارَة إلَى أن
النَّاس برمتهم إلا من عصمه الله تَعَالَى كالصبيان فهم نائمون وإذا ماتوا انتبهوا.
قوله: (وقرأ غير الكوفيين «مهادًا» بالألف) جعل قراءة «مهادًا» أصلًا في سورة طه وفي النبأ
وهنا عكس فخالف عادته وهي جعل قراءة الأكثر أصلا لكن لا بأس لأن الكل قراءة متواترة ولا
نزاع في كون جعل قراءة الأكثر أصلًا دأبه لكن الدأب والعادة في الأكثر دون الكل.
قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(10)
قوله: (تسلكونها) بيان وجه التَّعْبير بالسبل بأن جعل لها ذلولًا كما في سورة الملك
أي لينة. والْمَعْنَى: [وجعل لكم فيها سبلًا فجاجًا واسعًا] بين الجبال