ومما يصح إيراده هنا ما يأتي: لما أتِيَ بالهُرْمُزان صاحبِ تُسْتَر، إلى عمر بن الخطاب - وكان هذا الهُرمزان من أعظم قوّاد الفُرس، وكان على مَيْمنة جيش رُسْتم وزير ملك فارس يَزْدَجِرْدَ ابن شهريار بن ابرويز في حرب القادسية سنة 14 من الهجرة، فلما قتل رستم وانتصر المسلمون فرّ الهُرمزان بمن بقي من جنده، وما زال المسلمون يتابعونه الغارةَ بعد الغارةِ حتى لجأ إلى مدينة تُستر، وتحصَّنَ بها، فحاصروه أشدَّ حصار، ثم أنزلوه على حكم الفاروق، فأسلمه قائد جيش المسلمين أبو سَبْرَةَ بن أبي رُهْمٍ إلى وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس، فأتوا به إلى الفاروق - وكان الفاروق يلتفُّ في كسائه وينام في ناحية المسجد، فجعلوا يسألون عنه! فيقال: مرّ ههنا آنفاً! فيصغر في قلب الهُرمزان، إذْ رآه كبعض السّوق... حتى انتهوا به إلى عُمرَ وهو نائم في ناحية المسجد. . فقال الهُرمزان: هذا والله المُلْكُ الهَنيء... فلما جلس عمر امتلأ قلبُ العِلْجِ منه هيبةً، لما رأى عنده
من الجدّ والاجتهاد، وأُلبِسَ من هيبة التّقوى... ثم نظر عمرُ إليه وقال: آلهُرْمزان! قال: نعم،
فقال عمر: الحمد لله الذي أذلَّ بالإسلامِ هذا وأشباهَه، وأمر بنزع ما عليه من الدّيباج المُذهّب، والتاج المكلَّل بالياقوت، وأمر له بثوب صفيقٍ، وهم بقتله، فطلب الهُرمزان ماءً، وقال: أخاف أن أقتلَ وأنا أشرب! فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربَ، فأراقه: فقال عمر: واللهِ لا أنْخَدِعُ حتى تُسلم، فأسلم، وفَرضَ له في العطاء ألفين، وأقام بالمدينة.
نعود إلى عبقرياتهم في الجود من بابات شتى... ولقد أسلفنا أن الأوائل لم يتركوا معنًى إلا طرقوه. و:
هل غادر الشعراء من متردَّم
وهو معلوم أن الخمرَ تحدث في شاربها إذا انتشى هِزّةً وطرباً وأريحيّة وقد تحيل البخيلَ كريماً، فماذا قالوا في ذلك؟ قالوا: - والقائل البحتري -:
تكرَّمْتَ مِنْ قَبلِ الكُؤُوسِ عليهِمِ ... فما اسْطَعْنَ أنْ يُحْدِثْنَ فيكَ تكرُّمَا
وقال أبو نواس:
فتًى لا تُذِيبُ الخمرُ شَحْمةَ مالِه ... ولكِنْ أيادٍ عُوَّدٌ وبَوَادِي
وقال المتنبي:
لا تجِدُ الخمرُ في مَكارِمِه ... إذا انْتَشَى - خَلَّةً تلافاهَا
والأصل في هذا قولُ عنترة في معلقته:
وإذا صَحَوْتُ فما أُقصِّرُ عنْ نَدًى ... وكما عَلِمْتِ شمائِلِي وتَكرُّمي
وقال زهير: