{ياصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلك الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 39 - 40] ثم بعد ذلك يفسر لهما الرؤيا.
إذن: سلوك يوسف هو الذي لفت إليه الأنظار، وكذلك السلوك الحق المستقيم في كل زمان ومكان هو الذي يلفت إليك الأنظار، ويجذب إليك القلوب.
{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}
قوله تعالى: {وَإِنَّهُ} [الزخرف: 4] أي: الكتاب المبين الذي سبق وَصْفه، وهو القرآن الكريم {فِي أُمِّ الْكِتَابِ} [الزخرف: 4] أم الكتاب يعني: الكتاب الأصل أو اللوح المحفوظ، الذي أخذتْ منه كل رسالات السماء، وسجَّل فيه كل الأحداث {لَدَيْنَا} [الزخرف: 4] عندنا: عند الله. يعني: لم يُعطِه لأحد، وهذا يعني أنه مَصُون محفوظ.
{لَعَلِيٌّ} [الزخرف: 4] أي: في ذاته، والعلو الارتقاء، لأنه هو الكتاب الخاتم لجميع الرسالات قبله والمهيمن عليها.
وهيمنة القرآن على الكتب السابقة أنه اتفق معها في الثوابت العقدية والأعمال العبادية والأخلاق، ثم نسخ من الرسالات مثله ما لا يناسب العصر، ونفض عنها الفساد الذي لحق بها من تبديل وتغيير أو تحريف.
فالقرآن حكى عنهم أنهم نَسُوا حظاً مما ذُكِّروا به، وما لم ينسوه كتموه، وما لم يكتموه حرَّفوه، بل زادوا على ذلك كله ولم يقفوا عند حَدِّ التحريف، إنما جاءوا بكلام من عندهم وقالوا: هو من عند الله، واقرأ:
{فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .. } [البقرة: 79] .
هذه هي هيمنة القرآن على ما سبقه من الكتب وعُلُوِّه عليها.
وقوله {حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] الحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه من حيث زمنه ومكانه الذي يناسبه، فترى كل شيء فيه منضبطاً، والقرآن هو الكتاب الذي خُتِمتْ به الكتب السماوية، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل جميعاً.
فإنْ قلتَ: فلماذا يحفظ الحق سبحانه كلامه في أم الكتاب، وهو سبحانه لا يضل ولا ينسى، ويحيط علمه بكل شيء ولا تَخْفى عليه خافية؟