ويقال: استقامةٌ الزاهدِ ألا يرجعَ إلى الدنيا ، وألا يمنعَه الجاهُ بين الناس عن الله. واستقامةُ العارفِ ألا يشوبَ معرفتَه حظٌّ في الداريْن فيحجبه عن مولاه. واستقامةُ العابدَ ألا يعودَ إلى فترته واتباع شهوته ، ولا يتداخله رياءٌ وتصنُّع واستقامة المُحِبِّ ألا يكون له أرَبٌ من محبوبه ، بل يكتفي من عطائه ببقائه ، ومن مقتضى جوده بدوام عِزِّه ووجوده.
{أَلاَ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُواْ} : إنما يكون الخوف في المستقل من الوقت ، ومن حلولِ مكروهِ أو فوات محبوبٍ فالملاكةُ يبشرونهم بأن كل مطلوبٍ لهم سيكون ، وكل محذورٍ لهم لا يكون.
والحزن من حُزُونه الوقت ، ومن كان راضياً بما يجري فلا حزنَ له في عيشه. والملائكة يبشرونهم بأنهم لا حزنه في أحوالهم ، وإنما هم الرَّوْح والراحة.
{وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ} : أي بحسن المآب ، وبما وَعَدَ اللَّهُ من جميل الثواب.
والذي هو موعودٌ للأولياء بسفارة الملَكِ موجودٌ اليومَ لخواصٌ عباده بعطاء المَلِكِ ؛ فلا يكون لأحدهم مطالعةٌ في المستقبل من حاله بل يكون بحكم الوقت ؛ فلا يكون له خوفٌ ؛ لأن الخوف - كما قلنا من قبل - ينشأ من تطلع إلى المستقبل إمَّا من زوالِ محبوبٍ أو حصولِ مكروه (1) ، وإن الذي بصفة الرضا لا حزونة في حاله ووقته.
ويمكن القول: {لا تخافوا} من العذاب ، {ولا تحزنوا} على ماخلفتم من الأسباب ، {وأبشروا} بحسن الثواب في المآب.
ويقال: {لا تخافوا} من عزل الولاية ، {ولا تحزنوا} على ما أسلفتم من الجناية ،"وأبشروا"بحسن العناية في البداية.
ويقال: {لا تخافوا} مما أسلفتم ، {ولا تحزنوا} على ما خلفتم ، {وأبشروا} بالجنة التي لها تكلفتم.
ويقال: {لا تخافوا} المذلَّة ، {ولا تحزنوا} على ما أسلفتم من الزلَّة ، {وأبشروا} بدوام الوصلة.
(1) هذا من أدق الشروح لمعنى «الرضا» الذي كما نعرف من مذهب القشيري مرحلة انتقال من المقامات إلى الأحوال.