وبعد ذلك يأتي القرآن ويحكم على أُنَاس أنهم لن يؤمنوا ولن يهتدوا، وهم في سَعَة الدنيا وفي وقت الاختيار، مَنْ شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ومع ذلك ظلُّوا على كفرهم ولم يؤمنوا حتى نفاقاً، ولو رغبةً منهم في تكذيب القرآن لم يحدث.
ومن هؤلاء أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمشي وراء رسول الله ويقول للناس: إنه كذاب، فحكم الله عليه بأنه سيموت على كفره، وأن مصير النار والعياذ بالله، وفيه نزلتْ:
{تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} [المسد: 1 - 5] .
وقد سمع أبو لهب هذه السورة، وكان بوُسْعه أن يقف أمام نادي القوم وتجمُّعهم، ويقول بأعلى صوته: أشهد ألاَّ إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولو كذباً، لكنه لم يفعل لأن الله تعالى حكم عليه أنه لن يقولها أبداً.
فالله تعالى {لَذُو مَغْفِرَةٍ} [فصلت: 43] لكل كافر ولكُل مُكذِّب ولكل معاند، رجع إلى الجادة وتاب وأناب {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} [فصلت: 43] لمن أصرَّ على كفره وتمادى في عناده ومصادمته لدعوة الحق.
ولا يخفى أن الجمع بين المعنى وضده في موضع واحد سِمةٌ من سمات الأسلوب القرآني، لأن الضدَّ يُظهره الضد، وبضدِّها تتميَّز الأشياء، وربك يخبرك ويترك لك أنْ تختار لنفسك دواعي المغفرة أو دواعي العقاب.
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}
قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ} [فصلت: 44] أي: القرآن وسُمِّي قرآناً لأنه يُقرأ (أَعجمياً) أي: بلغة الأعاجم وهم غير العرب كالإنجليزية والفرنسية وغيرها من اللغات غير العربية.
{لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} [فصلت: 44] يعني: جاءتْ بالعربية؛ ذلك لأن التوراة نزلتْ بالعبرية وهي لغة سيدنا موسى - عليه السلام - وأصله، فقال بعضهم: لولا كان القرآن باللغة العبرية مثل التوراة، لكن النبي محمداً عربيُّ الأصل واللغة فنزل عليه القرآن بلغته ولغة قومه.